وفيما كان عبد الله صائلًا جائلًا بين أروقة المدارس اليمنية، كان فجر الإسلام يبزغ رويدًا رويدًا هناك فوق رواسي خراسان، وبعد كثير تضحيات اكتمل ذاك البزوغ المبارك، وسرعان ما ترامى الخبر إلى مسامع أبناء التوحيد المهاجرين، وعلى وقع ذاك الخبر بدأت عصب التوحيد بالعودة إلى عرين الأسود ليواصلوا منه جهادهم المبارك الذي تُوج فيما بعد بغزوتي نيويورك وواشنطن ...
حزم عبد الله حوائجه، وبصحبة العائلة المباركة انطلق الجسد على أجنحة الشوق ليلحق بتلك الروح التي سبقت إلى قندهار العز والفخار ..
ولم يمض كثير وقت، حتى تعانقت الروح مع الجسد، ليدبّ عبد الله على ثرى قندهار متفيئًا ولأول مرة ظلال التوحيد بعد طول غربة ..
وهكذا ... ، مضى الفتى الصغير في مشواره اللاحب، لا تثنيه الصعاب، ولا تنال منه الأرزاء، على الرغم من صغر سنه ونعومة أظفاره ..
أخو همة أعلى من النجم منزلا ... فإن يرم في أمر مع النجم يسبق
وفي يوم من أيام كابل المشهودة، وفيما كانت الآساد المهاجرة تستعد للانقضاض على معاقل الردة والنفاق، وإذا بذاك الشاب الذي لم تنبت لحيته بعد قادمٌ من بعيد يشق الصفوف، وقد امتشق حسامه وأقبل للذود عن لا إله إلا الله، وتحت ظلال تلك الأسقف المهدمة، كان شرف اللقاء الأول بهذا الفتى المهاجر ...
مطاعين في الهيجاء مكاشيف للدجى ... بنى لهم آباؤهم وبنى الجد
وما هي سوى أيام على حلوله ضيفًا على أبناء العقيدة الخالدة، حتى أقفل عائدًا إلى عرينه قندهار، ليواصل فيها برنامجه المعد له مسبقًا .. بضعة أشهر ودعت وإذ بالخطا تسوقني إلى قندهار الشريعة والقرآن ...
وهناك بين أروقة مصانع الرجال كان اللقاء الثاني، فقد جمعنا سقف واحد لننهل معًا من معين الدورات الخاصة، ما شاء الله ولتتعمق الصلة، وتزداد أواصر المحبة في الله في تلك الدورات ...
صفاته وأخلاقه: كان رحمه الله:"مثالا طيبًا للفتى المهاجر، حافظًا لكتاب الله، شجاعًا لا يهاب الردى .. ذا يد وعطاء، وهمة لا يتطرق إليها الفتور .. خادمًا لإخوانه، ذا مزح لطيف وابتسامة لا تفارق ثغره، هينًا لينًا يألف الناس ويألفونه .."
ولم يمض كثير وقت على تلك الدورات حتى انتدبه الأمير للعمل ضمن طاقم اللجنة العسكرية، وبين أروقتها رأيته جادًا مجتهدًا في خدمة دين الله، ساهرًا على انجاز ما أنيط به وكلف، على الرغم من حداثة سنه ...
وفيما ابن مصر يصول ويجول بين أروقة اللجنة العسكرية، كان صنّاع المجد على موعد مع الارتطام بطائراتهم ببرجي محاربة الله في الأرض، ومركز الإفساد فيها البنتاغون ...
ويسر العلي القدير وكانت الطامة الكبرى التي أذهلت أبناء الصليب، فلم يحيروا لها جوابًا، ولم يملكوا لها ردًا ...
لنا الدنيا ومن أمسى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا
وأمام تلك الفاجعة التي حلت بديارهم اللعينة، لم يجد ورثة قيصر إلا أن يبحروا بهيبتهم الزائفة، وجيوشهم الجرارة قاصدين دار التوحيد أفغانستان العز والإباء ...
وما أن اكتمل عقدهم حتى أنشبت الحرب أظفارها، وراحت حمم السماء تنهال على معاقل ورثة الرسل وأتباعهم ...