وترجّل فارس درنة
أسد الله الليبي
من درنة أقبلت .. من تلك المدينة الوادعة التي حظيت بشرف حَبوكَ على ترابها وتنسمك من نسماتها .. من تلك المدينة الهادئة التي يحلو لأهل ليبيا أن يتغنوا بمحاسنها، وذكر لطائف أخلاق مَن حلّ بها .. حتى غدت عروس ليبيا المدلل .. أقبلت يا أسد وخلفت الدلال والبهاء، وغدوت ترسم المجد للباحثين عن دربه ..
أسد الله واسمه زياد بن فراج الباح، ولد في درنة لأُسرة غنية ميسورة الحال .. وهناك فوق رباها ربى، وفي مدارسهاتلقى وتعلم، وعلى الرغم من ثوب الرغد والدلال الذي اكتساه وزين صباه، نفر إلى ميادين الجهاد والنزال في سن الثامنة عشر مخلفًا وراءه أعطاف النعيم، والفراش الوفير، متلذذًا بترديد آيات القتل والقتال والعزة والإقدام ... .. {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة: 111)
حزم الفتى المدلل حقائبه، وشمر عن ساعدي الجد ومضى لا يلتفت إلى الوراء، وسرعان ما حطّ رحاله فوق ذرى خراسان وكان ذلك في عام 1990 ولم يكن يتجاوز الثامنة عشر من عمره .. وكبقية المهاجرين التحق بمصانع الرجال التي أُعدت لصناعة ليوث الوغى القادمين للذود عن لا إله إلا الله .. وما أن أكمل إعداده حتى التحق بجبهات القتال هناك حول ثغور جلال آباد فشارك الآساد الطعن وضرب الرقاب ..
وأورد نفسي والمهند في يدي ... موارد لا يصدرن مَن لا يجالد
ونضربهم هبرا وقد سكنوا الكرى كما سكنت بطن التراب الأساود
وفي مراتع الموت التقى شهيدنا بعمالقة الجهاد أمثال الشهيد خطاب والقائد الأسير خالد الشيخ محمد ورمزي يوسف وغيرهم من شموع الجهاد .. وهناك نشأت العلاقة القوية التي رداءها الأخوة في الله بينه وبينهم مما كان له أثر طيب على تاريخ جهاده ...
سقطت جلال آباد بأيدي المجاهدين، ودق آخر مسمار في نعش الشيوعية الحمراء ... ، وسرعان ما تبعتها بقية المدن الشيوعية .. وهنا وعلى عرش كابل دبّ الخلاف بين الإخوة الفرقاء الطامعين باعتلاء عرش كابل الخالي {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص: 83)
وهناك في الطرف الآخر من نهر جيحون كانت بوادر الجهاد قد بدأت تلوح في الأفق .. وسرعان ما تفطن الشهيد القائد خطاب لهذا الحدث الجلل، فحزم حقائبه، وتوجه برفقة ثلة من رفقاء دربه، ويمم شطر تلك العوالي"طاجيكستان"ومن بين الراحلين كان شهيدنا أسد الله الذي عمل سوية بجانب خطاب في بناء ذاك الجهاد اليافع فوق تلك الأرض الخصبة ..
وبعد تجربة شاقة قضاها فوق ربوع طاجيكستان، عاد إلى إخوانه، والتحق بصفوف الجماعة الليبية المقاتلة ويمم وجهه معها إلى السودان بغية الترتيب لشوطٍ ثانٍ من الجهاد، ولكن هذه المرة فوق مسقط رأسه ليبيا ..
كم من منزل يعشقه الفتى ... وحنينه أبدًا لأول منزل
وبعد عدة سنوات قضاها أبناء التوحيد ضيوفًا في السودان، تم طردهم من تلك الديار، وتزامن ذلك مع استيلاء حركة طالبان على العاصمة كابل .. وسرعان ما ترامى إلى مسامع عشاق الجهاد الخبر العظيم الذي تحمله بين طياتها الحركة المباركة"حركة"