وترجل فارس حلب الشهباء
أبو البراء المقدسي
آه يا رواسي شاهي كوت كم هي الأجداث التي احتضنتها سفوحك .. وكم هي الدماء الزكية التي روت ترابك .. وكم هي الأشلاء التي تناثرت فوق صخورك .. وكم هي الأرواح الزكية التي زُفت إلى الحور من فوق ربوعك ..
أبو البراء المقدسي واسمه عز الدين المقدسي ولد في حلب الشهباء، وهناك نما وترعرع .. ، وفي تلك الربوع الطيبة درس، ورغم مغريات الحياة المادية التي أحاطت به من كل جانب، إلا أنه كان يبحث عن شيء آخر لم يحفل بالعثور عليه في تلك الربوع التي حبا على ثراها .. وكم يا ترى راود مخيلته ذاك الحلم، وقد امتطى صهوة جواده، واستل رمحه، وراح يجالد اعداء الملة والدين ...
توالت الأيام مسرعة، وبدأت تباشير الحلم القديم يلوح سنا تحققها واقعًا حيًا في عالم المحسوسات وشيكًا ... فقد يسر الله له بعد طول عناء مَن يأخذ بيده ليبوأه قمة ذاك الطيف الذي راوده طويلًا"الجهاد في سبيل الله"..
عرف عاشق الجهاد الطريق فلم يتردد، ولم يتباطأ، ولم يتوان، وسرعان ما حزم حوائجه، وقصد موطن ذاك الحلم في هذا الزمان الذي أظلته الجاهلية، ولسان حاله يردد ..
ألذ من المدام الخندريس وأحلى من معاطاة الكؤوس
معاطاة الصفائح والعوالي وإقحامي خميسًا في خميس
وبرفقة رفيق دربه خميس أقبل، وفي كابل الأمجاد نزل، وفي خلدن أعدّ واستعدّ، وفي المعسكرات الخاصة أكمل، وهناك كان الملتقى الأول ..
وما أن أكمل إعداده الخاص حتى يمم وجهه قاصدًا مسقط رأسه سوريا لأمر أشغله ... ، وهناك شعر شهيدنا بالتيه والضياع، فنفسه الأبية تأنف ان تعيش الذلة والمهانة التي يسقيها الطاغوت النصيري لأبناء التوحيد هناك كل يوم .. وما هي سوى أشهر حتى حزم الحقائب، وودع الأحبة، ومضى على بركة الله ...
وبين مرابع الأُخوة الصادقة .. بين أُولئك الشعث الغبر الفارين بدينهم من لظى الجاهلية ولهيبها المستعر .. ، ولسان حال الغريب فيهم يردد ...
ونحن قوم لا توسط عندنا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا ومن خطب الحسناء لم يغله المهر
حطّ رحاله ثانية في قندهار العز والفخار والشريعة والقرآن .. وسرعان ما وقع عليه الخيار ليكون ضمن الطاقم التدريبي لمعسكر الفاروق، وكان ذاك الخيار نِعم الخيار فقد أبلى بلاءً حسنًا في إعداد الليوث المهاجرة إلى ربها .. وفيما معسكر التدريب آخذ عليه كل شيء كان عشاق المجد هناك في عاصمة المكر والخبث في الأرض"أمريكا الصنم"يعدون العدة للانقضاض على أبراج غرورها .. وما هي سوى أيام على إتمام الإعداد حتى اصطدموا بطائراتهم بتلك الشوامخ التي تحارب الله ورسوله والمؤمنين في الأرض .. ، وهوت تلك الأبراج وغدت قاعًا صفصفا ..
{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (هود: 102)
وما هي إلا ساعات على تلك الغزوة حتى جمع أبو البراء إخوانه، وطار بهم إلى كابل .. وهناك في إحدى المعسكرات السرية تابع معهم الإعداد الذي طال حتى قبل السقوط بساعات .. فبعد طول تضحيات ودماء وأشلاء سقطت كابل بأيدي زمر الردة ..
وكم خربوا مسجدًا عامرًا ... وكم شربوا جهرةً مسكرا