ونعى الصمت أخاه
زيد الداغستاني
آيات بينات تتلى، وأحاديث شريفة تردد، فكيف لا يستجيب القلب الذي غمر الإيمان جوانبه لذاك الصوت الحي وتلك النداءات الربانية، وينفر باحثًا عن المجد الخالد، والذكر الحسن في الملأ الأعلى ....
قف دون رأيك في الحياة مجاهدا ... إن الحياة عقيدة وجهادُ
زيد الداغستاني ولد في العاصمة الداغستانية محج قلعة، وفوق ربوعها نما وحبا، وفي مدارسها درس، وما أن شبّ الفتى المدلل حتى اقتفى أثر والده الذي غمره أرحم الراحمين بفيض رحمته ومنّ عليه بالهداية والرشاد منذ زمن ليس بالبعيد ...
ومع اشتعال جذوة الجهاد وتأجج سناها فوق رواسي الشيشان قرر الوالد الذي ملأ حب الجهاد جوانحه أن يحزم حقائبه ويمضي مصاحبًا زيدًا إلى عوالي بنكيسي المطلة على بلاد الشيشان لعله يظفر باللحاق بأسود الشرى الذين أذل الله على أيديهم قياصرة الروس ....
فدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدقت فيهم ظنوني
فوارس لا يهابون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبون
حطّ زيد رحاله بين رواسي بنكيسي على أمل العبور إلى ميادين النزال ومصانع الأبطال، إلا أن القدر حال بينه وبين بغيته، وعلى الرغم من ذاك الواقع الأليم إلا أن عزيمته لم تفتر وهمته لم تكل ومضى مع القائد الشيشاني حمزة جلاييف إلى أبخازيا لعله ينال ما عجز عنه هناك فوق رواسي بنكيسي ...
وهناك في أبخازيا تتابعت فصول حكايته الحزينة، وحيل بينه وبين مقصده بمقارعة أعداء الملة والدين، ولم يجد سوى الرحيل إلى باكو العاصمة الأذربيجانية ليواصل منها مشواره اللاحب ويلقي بعصا تسياره بين أزقة مسقط رأسه محج قلعة.
وفيما أمواج الشوق لنزال أبناء الصليب تتمايل به يمنة ويسرة كان والده هناك في بلادالغربة على موعد مع الارتباط مع غرباء آخر الزمان، المرابطين على اللظى حول ثغور خراسان ...
مقاحيم حرب ليس ينبو حديدهم ... وهم في مجال الطعن والضرب زحف
صفوف صفوف من كماة وشجعة ... تكاد تميد الأرض منهم وترجف
وما هي سوى أيام حتى أوعز لعائلته الكريمة اللحاق به ليواصل زيد معه رحلة بلا عودة ...
وعلى بساط الريح مضى الركب المبارك يحفه الشوق لوطء ذاك الموطأ الذي يغيض الكفار وطؤه، وما هي سوى أيام على ذاك السفر الطويل حتى حطّ زيد رحله بين رفقاء الغربة وليلتحق بعد اللقاء بمعسكر التدريب.
أعد الليث الداغستاني واستعدّ وسرعان ما مضى إلى الشوامخ الراسيات ليشارك أبناء التوحيد جهادهم ورباطهم وغدواتهم وروحاتهم، وبين تلك الرواسي الشامخة كان اللقاء الأول ...
وجوه كأزهار الرياض نضارة ... ولكنها يوم الهياج صخور
شجاعة وإقدام، ورباطة جأش وثبات جنان ... حدثني الأخ أسد الله الداغستاني عن أخلاقه قائلًا:- كان رحمه الله"صائمًا للنوافل خادمًا لإخوانه، كثير الصمت قليل الكلام ..."