الشهيد العابد
أبو عبد الله الجداوي
قلة هي تلك النماذج العابدة الزاهدة التي تفرّ من أعين الناس بحثًا عن مكان كسواد ظلمة الليل لتتعبد الله فيه نائية بنفسها عن أحاديث الركبان وتسمرهم بذكر محاسن عباد الرحمن ... ومن تلك النماذج شهيدنا أبو عبد الله الجداوي ...
أبوعبد الله واسمه محسن بن عبد الله بن صالح العولقي .. والذي يرجع بأصله إلى بلاد الإيمان والحكمة"اليمن"ولد شهيدنا في جدة، وفوق سهولها نما وحبا، وفي مدارسها تعلم القراءة والكتابة ..
وكبقية الكثير من أقرانه الباحثين عن فرص العمل تكفل لهم المعيشة الهانئة والحياة الراغدة، راح يبحث عن فرصة العمل، وسرعان ما يسر الله ووجد ضالته المنشودة في إحدى الشركات العائدة إلى عائلة بن لادن ...
وبين أروقة العمل بذل أبوعبد الله الكثير حتى يستطيع التوفيق بين عبادته وبين العمل ولكن محاولاته باءت بالفشل .. وسرعان ما اختار العمل الذي يقربه من مولاه فترك الشركة، ولجأ إلى ثلة من أحبابه المجاهدين الذين صال معهم وجال مشاركهم همومهم وأفراحهم وأتراحهم ...
قومٌ فروعهم زكت كأصولهم ... طابوا فروعًا في العلا وأُصولا
وعلى الرغم من وجوده في جدة تلك المدينة التي تحوي بين جنباتها أعطاف النعيم وأصناف الملهيات وانواع المغريات، إلا أنه عزف عن كل شيء ووجه قلبه فقط للعبادة ولم يكن يُظهر من ذلك شيئًا متمثلًا قوله سبحانه وتعالى {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (الأعراف: 55
وبعد طول انشغال بالعبادة قرر شهيدنا أن يجمع بين فضل العبادة وفضل الجهاد في سبيل الله متمثلًا قوله ? عندما سئل أيّ الأعمال أفضل فقال: {مؤمن يجاهد بنفسه وماله}
حزم ابن جدة حوائجه، ويمم وجهه قاصدًا مصانع الرجال هناك في قندهار .. وبعد طول سفر حطّ رحاله في معسكر الفاروق فأعدّ فيه واستعدّ، وسرعان ما أقفل عائدًا إلى مسقط رأسه لأمر أشغله هناك ...
وهناك بين حواري جدة صال وجال، وما لبث أن عافت نفسه الأبية الحياة المدنية الرتيبة، فقد عشق لحن الرصاص وعزف المدافع .. ، فحزم أمتعته ثانية، وقصد مواطن العز، ولكن هذه المرة قرر أن لا عودة أبد الدهر ..
ونفس الشريف لها غايتان ... ورود المنايا ونيل المنى
ولم يمض كثير وقت على عودته المحمودة إلى أفغانستان حتى دُكت معالم الصليب هناك في معقله وغدت تلك الرموز قاعًا صفصفا ...