فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 308

ما صلينا المغرب والعشاء جماعةً .. وما هي سوى دقائق على تلك الصلاة حتى أقبلت حاملت الموت بمكرها، وأمطرت تلك البقعة التي حوتنا بين جنباتها بشهاب غدرٍ .. وترجل أبوعامر على إثر ذاك الصاروخ، ومضى إلى ربه وزف إلى الحوراء التي طالما تغنى بذكر محاسنها إن شاء الله .. وحُقّ لنا ان نردد في وداعه ..

ألا أيها الموت الذي ليس تاركي ... أرحني فقد أفنيت كل خليل

أراك بصيرًا بالذين أودهم ... كأنك تنحو نحوهم بدليل

الشهيد الصابر المصابر

أبو عامر الفلسطيني

تنقل وترحال وهجرة وجهاد وأحلام راودت أنفسهم كثيرًا ... أجسادهم فوق ذرى الهندوكوش، وأرواحهم ترفرف فوق ساحات الأقصى ... ولطالما دغدغت عواطفهم تلك الملاحم الخالدة التي سُطرت بالدماء فوق ثرى قندهار وكابل وخوست .. ولطالما راودتهم أنفسهم بنقلها إلى ربوع فلسطين المباركة .. ورحل الكثير منهم، وبقيت أمانيهم شاخصة تنتظر، وبقيت أجداثهم شاهدةً على أن هذا الدين لا يلتزم بحدود، ولا ينحصر في قوم ..

أبو عامر من عائلة الأشقر الغزاوية ولد في بلاد المهجر ونما ودرج بعيدًا عن مسقط رأس آبائه وأجداده غزة هاشم .. درس شهيدنا في مدارس الكويت، وفي تلك الديار التزم بخط جماعة الإخوان المسلمين، وشارك تلك الجماعة مسيرتها وصال، وجال بمعية روادها ولم يطل بقاؤه في الكويت كثيرًا، فقد شدّ مئزره، ويمم وجهه شطر بلاد الإيمان والحكمة"اليمن"وبين روابي اليمن السعيد درس، وفي أسواقها باع واشترى وتاجر وارتقى .. ، وسرعان ما سطع في قلبه نور الهجرة والجهاد، وتأجج في وجدانه حب الاستشهاد ..

توالت الأيام مسرعة ليجد أبوعامر نفسه على أعتاب مطار صنعاء، والأمل يحدوه بوطء ثرى أفغانستان الإيمان والشريعة والجهاد والاستشهاد، ولسان حاله يردد ...

وإني لنزال بكل مخوفة ... كثير إلى نزالها النضر الشزر

فأظمأ حتى ترتوي البيض والقنا ... وأسغب حتى يشبع الذئب والنسر

ويا رُبّ دار لم تخفني منيعة ... طلعت عليها بالردى وانا الفجر

حطّ المهاجر الغزاوي رحله في قندهار وسرعان ما التحق بمعسكرها الفاروق فأعدّ واستعدّ فيه، وما أن أنهى إعداده حتى يمم وجهه وطار على جناحي الشوق قاصدًا كابل حيث الجياد مصطفة حول ثغورها، وفوق تلك الخيول فرسان في النهار ورهبان في الليل .. وقد انتضى كل فارس حسامه منتظرًا الأمر بالإغارة على معاقل الردة والنفاق ...

وبين غبار الخنادق ودخان المعامع كان شرف اللقاء الأول بهذا الفارس المقدام همة لا تعرف الكسل والفتور وشجاعة ليس لها مثيل ...

ليث تطير له القلوب مخافة ... من بين همهمة له وزئير

ويومًا بعد يوم توثقت العلاقة، وازدادت أواصرها، ولطالما أشركني همومه، وأطلعني على آماله وطموحه .. وهناك بين خنادق العز والفخار، وفيما شهيدنا يصلح سلاح الجرينوف، وإذ بتلك الرصاصة العالقة التي حاول أن يخرجها من سبطانة السلاح تنفجر في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت