المهاجر الغريب
أبو رواحة السوري
مع كل قطرة دم تسكب لتروي شجرة هذا الدين .. مع كل شلوٍ ينزع ليعبد به طريق عزة هذا الدين .. مع كل روح ترحل إلى السماء تحكي غربة هذا الدين يزداد يقيننا بقرب سطوع نجم هذا الدين ...
أبورواحة واسمه أنس إحسان بنغلي ولد في حلب الشهباء، وهناك فوق روابي حلب نما وربى، وفي مدارسها درس .. وفي مقتبل صباه توفي والده،
فعاش يتيمًا وحيدًا بعد أن حُرم من حنان والده. توالت الأيام مسرعة، وشهيدنا تتقاذفه أمواج الحياة يمنة ويسرة، وفي ليلة من لياليه المباركة هبّت رياح الهداية الربانية على الفتى التائه، وسرعان ما استنشق عبيرها الفواح، وغدا يرفرف بجناحي الهداية ويرتقي سلمها درجة درجة حتى تربع على ذروة سنام هذا الدين"الجهاد"وراح ينتظر ذلك اليوم الذي ينفر فيه ويلتحق بحماة العقيدة المرابطين حول ثغور خراسان ...
الواقفين على الثغور جيادهم ... والمحرزين مكارم الأيام
وأخيرًا وبعد جهد جهيد أذن أرحم الراحمين لهذا الليث الهزبر أن ينفر إلى مهوى الأفئدة أفغانستان.
حزم المهاجر الغريب حقائبه، وحطّ رحاله في قندهار عرين الباحثين عن مواطن العزة والفخار، وفي معسكر الفاروق أعدّ واستعدّ ولم يمض سوى شهرين على حلوله ضيفًا مهاجرًا على غرباء آخر الزمان حتى مُحقت معالم الصلبان هناك في معقل الشيطان في الأرض"أمريكا الصنم"...
وكانت حمىً أرض الفرنج فأصبحت ... سبيلًا لأبناء السبيل مذللا
وما هي سوى أيام حتى بدأ عبّاد الأوثان بحشد جموعهم الفاجرة، وأقبلوا يرعدون ويزبدون وقد تملكهم شعور الغطرسة والكبرياء، وجال وصال في مخيلتهم أن أبناء التوحيد غنيمة سهلة المنال ولم يدر في خلدهم أن كل فارس من فرسان الإسلام أمة وحده!
وبعد ثمانية وعشرين يومًا من الجمع بدأت الهزاهز تعزف ألحانها وراح دويّ القنابل وأزيز الرصاص يمحص قلوب المدّعين، وبعد تضحيات جسام ودماء وأشلاء تميزت الصفوف .. فسقط مَن سقط .. وتاجر مَن تاجر .. وبقيت ثلة صابرة مصابرة واصلت الدرب الطويل الموحش، ومن بين تلك الثلة المصابرة كان شهيدنا الذي شارك إخوانه الدفاع عن حمى قندهار، وفي تلك المعامع المشهودة حول مطار قندهار كانت الكرامة لشهيدنا فقد اخترقت إحدى رصاصات الردة ملابسه، واصطدمت بجواز سفره واخترقته ثم انحرفت وتلاشت إلى حيث شاء الله، ولقد رأيت جواز سفره ذاك عندما عرضه عليّ قائلًا:-"هل يصلح هذا الجواز للسفر به إلى مسقط الرأس ... ؟ وكان الجواب حاضرًًا للأسف لم يعد بوسعك السفر به .."سقطت قندهار وانحاز شهيدنا مع بقية العُصَبِ إلى رواسي شاهي كوت، ومنها تابع رحلته إلى مناطق القبائل الأبية للإعداد لشوط ثانٍ من الحرب مع ورثة الروم.