شهيد الغربة
أبو حازم السوري
وهكذا حال غرباء آخر الزمان الناس في واد وهم في واد ... الناس نائمون مطمئنون، وهم على اللظى يتلوون .. الناس في غفلةٍ ساهون، وهم من الآخرة وجلون .. وهذا حال شهداء آخر الزمان وهكذا كان حال شهيدنا ...
أبو حازم واسمه محمد بنغلي، ولد في دمشق في عام 1979، وفوق ثرى دمشق المبارك نما وحبا، ولم يكن شيء يميزه عن أقرانه سوى تفوقه .. وما أن أكمل مرحلته الدراسية الثانوية حتى يمم وجهه نحو الشمال حيث مدينة حلب الشهباء ... ، وهناك في كليتها أكمل تعليمه الدراسي، وتخصص في علم الاقتصاد ..
ولّت الأيام والليالي مسرعة، وبعد مشوار التيه في الدنيا ساق الله إليه أحد الصالحين الذي دعاه إلى حضور جلسة من جلسات الإيمان التي ينظمها أبناء التوحيد في تلك الديار .. وتحت ظلال تلك الجلسة هبت عليه نسائم الهداية والرشاد، وسرعان ما ترك كل شيء يذكره بالماضي الكريه، وأقبل على الله بثوب جديد، ولسان حاله يردد ...
أيا رب أدعوك العشية مخلصًا ... لتعفو عن نفس كثير ذنوبها
ولم يمض كثير وقت على عودته الميمونة إلى الله حتى بدأ أعوان الشيطان بنسج خيوط مكرهم للحيلولة بينه وبين الفضيلة التي يتنعم بها ورده ثانية إلى حظائر البهائم التي يتمرغون بها ... وسرعان ما جيء بتقارير المخابرات الكاذبة لردعه عن طريق الحق المبين ...
وأمام تلك المؤامرات الدنيئة لم يجد شهيدنا سوى الرضوخ، فترك الكثير مما أنعم الله عليه به، وهام في الدنيا على وجهه حيران أسفا ...
وعلى الرغم مما حلّ به إلا أن صوت الحق ما زال يتردد صداه في أُذنيه، وصوت الإيمان ما زال يداعب وجدانه، وقول العلي القدير {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} (التوبة: 38) ما زال يؤرق أجفانه ..
وبعد بضعة أشهر قضاها في التيه الثاني ساقته خطاه إلى أحد المساجد، وهناك تحت ظل ذاك المسجد سمع الخطيب وهو يصدع بآيات الجهاد، ويحض الناس على الاستشهاد .. تلك الآيات التي غابت كثيرًا عن مسامع ورثة محمد ? بسبب تسلط طاغية نصيري هالك عُرف بحافظ الأسد سوده الله في نار جهنم. وهناك ذرفت عيون أبي حازم حال سماعه لتلك الكلمات التي دغدغت عواطفه، وأثارت الغيرة في وجدانه .. وعلى عجل تقدم من الخطيب وطلب منه ان يساعده للوصول إلى ميادين الجهاد ومراتع الأبطال .. وبعد طول تردد وسؤال وافق خطيب المسجد على مساعدته في الوصول إلى المبتغى المنشود.
اعد ابن دمشق حقائبه، وحزم أمتعته، وودع أحبابه وداعًا لا لقاء بعده في هذه الفانية ومضى متوكلًا على ربه، ولسان حاله يردد ...
ألذ من المدام الخندريس ... وأحلى من معاطاة الكؤوس
معاطاة الصفائح والعوالي ... وإقحامي خميسًا في خميس