فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 308

وعلى الرغم من قلة الزاد وندرة المعين وعِظم المصاب وقلة السالكين إلا أن الغدوات والروحات لم تتوقف على مقدسي الصلبان، وراح غرباء آخر الزمان يكيلون لهم الضربات تلو الضربات، وشارك عبد الرحمن إخوانه هذا الجهد المبارك، وقد منّ الله عليه وكان من تلك العصبة التي غنمت أول سلاح أمريكي ..

اذا كروا تخالهم بزاة ... وإن ثبتوا حسبتهم جبالا

قد اعتادت رماحهم انتصارا وقد ألفت عداتهم انخذالا

فلو حملت كتائبهم وألقوا ... عزائمهم على أحد لزالا

وهناك في قائمة شرف الخلود السرمدي كان اسم عبد الإله يزين تلك الورقة التي نُقش عليها أسماء الراغبين بحملات الفداء والتضحية"العمليات الاستشهادية"وما أن ترامى الخبر إلى مسامعه بالموافقة واقتراب موعد الرحيل حتى كاد يطير من الفرح ..

يستعذبون مناياهم كأنهم لا ... يخرجون من الدنيا إذا ما ماتوا

وبعد طول انتظار وترقب انسل عبد الرحمن من بين رفقاء الغربة .. ، وسرعان ما ألقى عليهم نظرات الوداع الأخير ومضى متوكلًا على الله من غير عِلم الكثير، وعلى أجنحة الشوق حلق الفتى الولهان بلقاء الأحبة محمد وصحبه عاليًا، وبعد طول سفر حطّ الطائر المهاجر رحله في كابل .. ، وراح ينتظر الموعد الذي يبحر به إلى سماء الخلود، وسرعان ما جاء الهاتف المنتظر وصعد عاشق الحور حافلة الخلود السرمدي وبجانبه دليله، واصطفت الحافلة منتظرة أمر المترصدين بالتحرك إلى الهدف ..

وهنا وعلى غير العادة غطّ شهيدنا ودليله بنوم عميق وراحت نداءات فريق الترصد أدراج الرياح، ولم يفيقا إلا والقافلة تكاد تفوتهم .. وما هي سوى لحظات حتى انطلق بسيارته كالعاشق الولهان لرؤية المحبوب .. وهنا راح المرافق يلحُ عليه بضرورة وقف السيارة حتى يتسنى له النزول وأخيرًا توقفت السيارة، ونزل المرافق، وتابع صانع المجد مشوار اللاعودة واصطدم بالركب الصليبي الألماني، وارتقت الروح الطاهرة إلى الأعالي وزُفّ العاشق إلى معشوقاته إن شاء الله، وسطر عبد الرحمن آخر كلام رسالته بدمائه الزكية ...

وإن كان قد غدا في اللحد مستترا ... فذكره في ذرى الأفلاك منتهض

يا كوكبًا قد هوى للترب منخفضًا ... ما كنت أحسب أن البدر ينخفض

ويا عبابًا غدا في الرمس منقبضًا ... وهل سمعت بأن البحر ينقبض

ونعت الأخلاق أخاها

عبد الرحمن المصري

أدب وأخلاق وصفاء ونقاء .. ورجاحة عقل وسرعة ارتقاء .. هكذا عرفناك يا عبد الرحمن، وهكذا كنت برب السماء، فلطالما أسَرْتنا بحسن معشرك، وطيب حديثك وبسمة ثغرك وبراءة مزحك ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت