فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 308

عبد الرحمن المصري واسمه إياد السيد، ولد في القاهرة، وفوق ثراها نما وحبا، ومنذ نعومة أظفاره شد رحاله مع والده، ويمم وجهه قاصدًا بلاد الحرمين حيث عمل الوالد ورغد العيش، وأعطاف النعيم الدنيوي الزائل الذي طالما سعى إليه الساعون، وعمل لأجل تحصيله العاملون ...

وهناك وفوق ذاك الثرى المبارك درس شهيدنا في المدارس الخاصة، وسرعان ما بدا تفوقه الذهني على أقرانه ... وما أن أنهى المرحلة الثانوية حتى التحق بإحدى الجامعات لمواصلة مشواره الدراسي، وبين الفينة والأخرى كان يشده الحنين إلى مسقط رأسه مصر، وفي إحدى المرات كانت خطاه تسوقه إلى مسجد من مساجد الحيّ، وتحت ظلال ذاك المسجد استمع الشارد إلى حديث إمام المسجد، وعلى وقع ترانيم تلك الكلمات الربانية أفاق الشارد من شردته، وسرعان ما عاتبته نفسه على طول هجره لمساجد الله .. ومن لحظته تلك غدا إياد إنسانًا آخر، وقد تلفح ثياب الطاعة، وخلع أثواب المعصية، وأقبل على الله، ولسان حاله يردد ...

لا شيء أعظم من جرمي سوى أملي ... بحسن عفوك عن ذنبي وعن زللي

ورويدًا رويدًا ... بدأ طيف الهجرة والجهاد يداعب مخيلته، ومع اشتداد أوار ذاك الحنين للهجرة والجهاد، عزم ابن القاهرة على الرحيل إلى تلك الديار التي طالما سمع عنها"أفغانستان"الشريعة والقرآن ..

وعلى بركة الله أبحر زورق المهاجر الغريب، وقصد بلاد الأفغان مخلفًا وراءه رغبة الأهل والعشيرة بالبقاء، مقدمًا أمر الله وأمر رسوله ? بالنفير {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (التوبة: 41)

وفوق بحور من التيه والغربة سارت خطا عبد الرحمن تبحث عن مرفأ الأمان، وسرعان ما تبعثرت تلك الخطا، وتاهت في خضم أمواج السفر المتلاطمة .. ولكن عناية الرحمن أبت إلا أن تسوق خطاه، وتأخذ بيده بعد التيه والضياع، وتضعه في مرفأ الأمان قندهار ..

بدأ المهاجر الغريب مشواره اللاحب في معسكر االفاروق، فأعدّ فيه واستعدّ، وما أن أنهى إعداده حتى يمم وجهه قاصدًا ثغور كابل، حيث الفرسان وقد امتطو صهوات جيادهم منتظرين الأمر بالإغارة على معاقل الردة والخيانة ..

هم المضريون الذين سيوفهم ... صواعق بأس تنتحي كل كافر

وفي تلك المرابع التي تتغشاها ملائكة السماء صال وجال، وشارك أبناء التوحيد رباطهم، وسرعان ما التحق بالشهيد القائد عبد الوكيل كمرافق خاص، وفيما كان عبد الرحمن منشغلًا بمصاحبة القائد العسكري، ساهرًا على شؤونه، كان رواد الأمة التسعة عشر على موعد مع تحطيم أسطورة الصنم الذي لا يقهر"أمريكا"وإحالة رموز غطرسته وشموخه المزعوم ترابًا ونارًا وركامًا ...

نزل الحريق بها فشتت شملها ... فغدت عراصا وهي قبل صروح

وعلا الدخان على البيوت سحائبا ... برق المهالك بينهن لموح

وهكذا .. ، وبعد طول ترقب وانتظار ذاق ورثة الصليب مرارة العلقم، وتجرعوا كأس الحنظل الذي طالما أسقوه لأبناء التوحيد ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت