فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 308

ولم يمض كثير وقت على تلك الغزوة، حتى بدأ إبليس بجمع جحافل نتنه، وأقبل بخيله ورجله، وأحاط بأرض الهجرة، ومعاقل الموحدين"أفغانستان"الشريعة والقرآن ..

وبعد ثمانية وعشرين يومًا من الجمع الغاشم، دقت طبول الحرب، وتصافحت الأسنة، واشتبكت الرماح، وانبرى الليوث عشاق الموت، وراحوا يتسابقون على الشرب من كأس المنون والظفر بالشهادة طمعًا في رحمة الله ونيل رضوانه .. ومضى الكثير منهم، وبقي القليل الذي لم يجد سوى خوست ليرحل إليها بعد أن تآمر المتآمرون على كابل ....

باع البلاد أناس لا عهود لهم ... وودعوها وداع الدارس الخرب

وما هي سوى أيام حتى تبعتها خوست، وسرعان ما زحف العلوج عليها واستوطنوا مطارها ... وهنا تأججت نار الغيرة في عروق ابن مصر، وهاله أن يسرح ويمرح عبدة الشهوات والأهواء بين روابي خوست، وهو ساكن جامد لا يستطع حراكًا، ولم يجد نفسه والحالة تلك سوى أن يتقدم من أميره عبد الوكيل ويخاطبه طالبًا منه اللحاق بركب الاستشهاديين ..

ذو همة وشجاعة يوم الوغى ... في الحرب يسطوا كالعقاب الكاسر

وبعد طول انتظار كان لعبد الرحمن ما أراد ورجا، وسرعان ما بدأ تجهيز حافلة الشهادة التي سيقودها عاشق الموت، ويقتحم بها مطار خوست الذي يعج بعلوج الصليب الأمريكي ..

وفيما كان شهيدنا ينتظر تلك اللحظة التي يقتحم فيها على ورثة الروم، كانت الأحداث تتسارع بشكل سريع مهيئة الأجواء لملحمة شاهي كوت، وقاطعة في الوقت ذاته على الاستشهادي المنتظر طيفه العذب، الذي طالما تمنا أن يحققه واقعًا حيًا في عالم الأحياء ...

أيامٌ قليلة رحلت وإذا بطبول الحرب تقرع أجراسها هناك بين جند الرحمن، وأعوان الشيطان .. وسرعان ما زأرت الأسود المحمدية وتسابق أحباب الرحمن إلى ساح الحتوف، وميدان المنايا، وأبلى ابن القاهرة بلاءً طيبًا، وتحطمت على صخور شاهي كوت خرافة الجيش الذي لا يقهر، وديست كرامته تحت أقدام الموحدين الغرباء بدينهم ...

أُسد فرائسها الفوارس لا تطأ ... إلا على الأقران يوم حروبها

وبعد اسبوع من القتل والقتال، انحاز ورثة الأنبياء والرسل إلى مضارب القبائل الأفغانية، التي سرعان ما فتحت ذراعيها مرحبة بعودة بواسل الإسلام ...

وبين تلك المضارب بدأ عبد الرحمن مشواره فأعدّ واستعدّ، وسرعان ما غدا مدربًا بارعًا واستاذًا متمكنًا في العلوم العسكرية، وبزغ نجمه في علوم المتفجرات والالكترونيات .. وخاض المعامع تلو المعامع، وقاد الرواد في غزوة دبكاي وغيرها، وأبلى بلاءً قلما يجود الزمان بمثله على مثله ...

توالت الأيام مسرعة، وبدا للمهاجر الغريب أن يكمل نصفه الآخر، ويسر الله له واقترن بسيدة بشتونية صالحة شاركته المسير إلى الله، ورزقه الله منها بجاريتين لطالما داعب الأولى منهما، وأما الثانية فقد أبصرت عيناها ضوء النهار وأبوها هناك في الملأ الأعلى ...

صفاته وأخلاقه: كان شرف اللقاء الأول لي به هناك في مدينة الشريعة قندهار، حيث ساقته الخطا ليشاركني بعضًا من مسيرتي بجانب الأخ القائد سيف العدل المصري، وفي تلك الأيام المباركة التي حظيت فيها بمرافقته تعرفت عليه عن قرب، فكان رحمه الله مثالًا شاخصًا حيًا للأدب والأخلاق، لا يكل ولا يمل من خدمة إخوانه، ذا أدب رفيع وحياء جم، وعقلية ناضجة وفكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت