وبعد يوم من الانتظار تحرك الركب الرباني كاسرًا صمت الليل البهيم وقصد تلك البقعة المختارة، ومع بزوغ الفجر وصل الليوث وصلوا صلاة الفجر، وانطلقوا قاصدين سفوح الجبال العوالي، وهناك أخذ كل ليث موقعه. وفيما شهيدنا يعد سهامه مع رفيقه أبي سليمان الجزائري شاءت الأقدار الإلهية ان تنزلق إبرة الأمان منذرة بقرب انفجار الصاعق وما أن طرق صوت الإبرة مسامع وقاص حتى ألقى بنفسه في إحدى المنحدرات ليصاب أبو سليمان وينجو بقدر الله وقاص ليقتل في اليوم التالي ... وقبل المغيب أقفل الركب عائدًا بعد أن حال الضباب بينهم وبين عدوهم إلى معقلهم المتأخر ...
وفي صباح اليوم التالي وعلى غير العادة أسرّ لي وقاص بمكان وجود وصيته وكأن النداء الداخلي يوحي إليه أن الأجل قد حان وأن الشهادة قد دنت ...
تحركت كتيبة الموحدين، وسرعان ما علت السفوح العوالي، ولم يمض كثير وقت حتى جاء الأمر، وانطلقت القذائف الصاروخية تدك معاقل الأوثان وأذنابهم المرتدين ..
وأمام الواقع المرير لم يجد الصليب سوى طيرانه لينفّث فيه عن حقده وراح يزرع الأرض بقنابله العنقودية وردّ الله كيدها إلى نحرها .. وسرعان ما أقفل الموحدون وعادوا إلى مراكزهم الخلفية.
ومع غياب خيوط الشمس الذهبية أقبلت طائرات المكر والخديعة، وراحت تحصي على المجاهدين خطاهم وتنتظر اللحظة التي يجتمع فيها الركب المبارك لتصب عليهم جام خبثها، وبعد عدة ساعات ساق الله أبناء العقيدة لينالوا رضاه فوق تلك البقعة الطيبة بعد ان امطرتهم تلك الماكرة بصاروخ حقد أسود قضى على إثره وقاص شهيدا - نحسبه كذلك والله حسيبه -، ومضى إلى ربه، ونال ما تمنى ورغب وحجز مقعدًا هناك في حوصلة طير أخضر يطير به حيث شاء إن شاء الله ...
قد كنت لا أرضى التباعد برهة ... كيف التصبر والبعاد دهور
أبكيك ... حتى نلتقي ... في جنة ... برياض خلد زينتها الحور
الشهيد القائد
أبوالوليد الموريتاني
من أقصى بلاد الإسلام، من تلك الربوع الطيبة التي تزخر بالعلم والعلماء والطلاب الأنقياء أقبل وقد داعب طيفه الأمل برؤية تلك الدار التي حوت بين جنباتها مهاجري وأنصار غرباء آخر الزمان ...
أُسود اذا ما كشر الحرب نابه ... سطوا والظبا أنيابهم والأظافر
يهزون في نار الوغى كل جدول يموج به بحر من الموت زاخر
وبعد طول سفر وترحال حطّ قارب الفارس المغوار فوق ثرى قندهار ..