فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 308

وبعد عدة أسابيع قضاها ورثة الروم في جمع جموعهم وحشد أتباعهم وعملائهم، أقبلوا يحفهم الغرور من كل جانب، وأخذت رياح الحرب تعصف وعزفت الهزاهز لحنها وبدأت السماء تمطر الأرض بشهبها محولة تلك الروابي الخضر إلى دمار وسواد، وانتدب الشيخ المهاجر في تلك الملحمة ليكون على رأس تلك الثلة التي أنيط بها الربط بين مراكز المجاهدين المختلفة في قندهار ...

وبعد عطاء جميل وتضحيات ودماء وأشلاء آذنت شمس عزة قندهار بالرحيل لتشرق بعد حين بإذن ربها ابتلاءًمن الله وامتحانا، وألقت المدينة بأثواب سترها بعد أن حاكت المؤامرة فصول مسرحيتها بدقة ...

انحاز شهيدنا مع بقية العصب المهاجرة إلى زورمت وهناك قام محرضًا وداعيًا ومذكرًا ومنذرًا ولكن .. !

لقد أسمعت لو ناديت حيًا ... ولكن لا حياة لمن تنادي

وأمام ذاك الوقع المروع لم يملك سوى الرحيل ومواصلة المسيرة الشاقة ليجد نفسه قد نزل ضيفًا على إخوانه الأنصار في كراتشي، وبعد عدة أشهر قضاها ضيفًا على أهاليها بدا له أن يشد رحاله إلى بلد مجاور لباكستان.

وهناك تابع شهيدنا مسيرة الآلام وشاء الله له أن يقع أسيرًا ليودع مدرسة يوسف، وبعد عدة أسابيع قضاها في مدرسة الابتلاء والمحنة، أذن أرحم الراحمين بكسر قيده وتنسم أخيرًا عبير الحرية من جديد.

انكبّ الشيخ الجليل في تلك المرابع وأقبل على النهل من معين الالكترونيات، واجتهد في ذاك العلم وسما بها ... وما هي سوى أشهر حتى جاءه الهاتف بضرورة العودة إلى عرين غرباء آخر الزمان ...

فوارس أمثال الضراغم في الوغى ... من الحزم لا من خيفة الطعن جفل

وعلى جناح الشوق طار الفؤاد الولهان، ولم تمض سوى أيام حتى حطّ رحاله بين أحبائه وكان اللقاء الذي طال انتظاره ...

بدأ الشيخ العائد معلمًا ومحرضًا ومصلحًا وداعيًا ... ولطالما أرق أجفانه ذاك الصليبي الحاقد وهو يصول ويجول في سماء الإسلام دون رقيب او حسيب، وأمام ذاك الواقع المحزن أخذ شهيدنا على نفسه أن يجد لتلك العصب المهاجرة الرادع الذي يردع تلك الطائرات من أن تستبيح سماء المجاهدين، وتمكن بفضل الله من تصنيع أول قاذف يدوي للصواريخ المضادة للطائرات ... وسما به فكره وعلت به همته وراح يجري التجارب على معشوقته قذيفة BM وبعد طول جهد توصل إلى صناعة دائرة ألكترونية توقيتية تنفجر بعد ثلاث ثوان، ويسر الله وبدأ يجري تجاربه المباركة ....

وهكذا ... ، وبعد رحلة عطاء قاربت العشرين عامًا أذن أرحم الراحمين لهذا الشيخ الجليل أن يلتحق بقوافل البائعين نفوسهم لمليكهم ... ففيما كان شهيدنا يضع اللمسات الأخيرة على رفيقة دربه قذيفة BM لترحل وتنفجر تلقائيًا في جو السماء بعد ثلاث ثوان من إطلاقها .. أبى الله إلا أن تنفجر في تلك اللحظة التي أوصل إليها فيها التيار الكهربائي لتحمل بين طياتها روح ذاك الأسد الهمام وتلميذه الأخ بارود الباكستاني وتمضي بأرواحهم الطاهرة إلى الباري عز وجل ...

وهكذا ... نعت الهمة أخاها والعزيمة ابنها، وترجل فارس مصر عن فرسه الذي طالما اغبر قدماه في سبيل ربه، وحُقّ لنا أن نردد في وداعه ...

لا قلبت أيدي الفوارس بعده ... رمحًا ولا حملت جوادًا أربع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت