فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 308

وعبر الدعوات الربانية التي انطلقت من أفواه الموحدين وصل النداء الحي وسرعان ما طرق أسماع ذاك الغريب الشارد الذي ألقى عن كاهله أوهاق السنين، وتخلص من حمئة الطين وراح ينتظر ذاك اليوم المبارك الذي ينفر فيه مهاجرًا إلى ربه بعد ذاك التيه والضياع ....

تصرمت الأيام مسرعة وبدا لشهيدنا نورٌ خافت بدأت خيوطه الذهبية بالسطوع من فوق رواسي طاجيكستان ... وتوسم عبد الرحيم خيرًا بهذا النور وسرعان ما حزم حقائبه وشدّ مئزره ومضى إلى ذاك الأمل ولسان حاله يردد ...

لئن عمرت جعلت الحرب والدة والسمهري أخًا والمشرفي أبا

لكل أشعث يلقى الموت مبتسمًا ... حتى كأن له في قتله أربا

وبين سفوح طاجيكستان أعدّ واستعدّ في معسكرات الجماعة الأوزبكية، وما أن أكمل إعداده حتى حزم حقائبه ويمم وجهه شطر دار الإيمان، ومعقل التوحيد أفغانستان ..

وكبقية غرباء أوزبكستان، شارك شهيدنا إخوانه الطلبة جهادهم ورباطهم، وحظيت خطوط الشمال بجلّ صولاته وجولاته ...

وفيما كانت أمنيات فتح أوزبكستان وإقامة حكم الله فيها تراود طيفه .. كان الأشاوس من أبناء يعرب على موعد عزّ وفخار طالما راود أبناء التوحيد وانتظروه واقعًا حيًا في عالم الأحياء .. فقد ارتطم ليوث لا إله إلا الله بطائراتهم ببرجي محاربة الله في الأرض وارتطمت ثالثة برمز كبرياء الصليب وغدت تلك الرموز وشاحًا من السواد والدمار ...

نسفوا بناء الشرك فهو خرائب ... واستأصلوا الأصنام فهي هباء

ولم يمض على ذاك الفتح سوى أيام، حتى بدأت جموع التثليث بجمع أزلام كفرها، وأقبلت والغيظ يقطر من جلود علوجها ..

وبعد ثمانية وعشرين يومًا من الحشد بدأت حمم الصليب تنهال على معاقل ليوث التوحيد وانبرى الفرسان وقد شرعوا أسنتهم وتقدموا لصد أشرس حملة صليبية في هذا القرن، ومضت القوافل تلو القوافل إلى ربها تشكوا خذلان المسلمين ....

وفي خضم تلك المعمعة الخالدة كشرت الخيانة عن نابها وأنشبت المؤامرة أظفارها .. ولم يكن بدٌ من الرحيل إلى عوالي شاهي كوت والغصص تنهش أجساد تلك الثلل التي يرافقها عبدالرحيم ...

صفاته وأخلاقه: - كان رحمه الله كما وصفه الأخ عبدالله بهلوان الأوزبكي:"ذا صوت ندي عذب، كريم اليد وغالبًا ما كان يُقر أعين إخوانه بهداياه الكريمة، محبًا للسنن عاملًا بها، ذا إحسان وعطاء تاليًا لكتاب الله .."

وبين رواسي شاهي كوت الشامخة بدأ الليث الأوزبكي يُعد العدة للرحيل السرمدي، وأبى أن يغادر ساح المنايا وأصرّ مع بعض العصب المهاجرة على البقاء رغم غصص الطريق ولأواء الدرب وزمهرير الشتاء القارس ...

تريدون لقيان المعالي رخيصة ... ولا بد دون الشهد من إبر النحل

تتابعت الأيام والليالي مسرعة وبدأت تلوح في الأفق بوادر ملحمة شاهي كوت الماجدة التي سرعان ما عزفت ألحانها واضطرم أوارها، وانبرى فيها عشاق الشهادة وقد استلوا صوارمهم وأعملوها في نحور العلوج الأمريكية التي ذاقت كأس الموت الزؤام بعد ذاك الغرور الذي حفها بسقوط كابل ...

وأمام الواقع المرير الذي أحاط بجحافل الصليب المفسدة لجأ ورثة الروم إلى الطيران الذي راح يزرع الأرض بنيران حقده ... وبين تلك الصخور أصيب عبدالرحيم في مقتل، وسجيَ الجسد الطاهر .. ومضى الفارس المغوار إلى ربه ولسان حاله يردد ...

ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أيّ جنب كان في الله مصرعي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت