فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 308

وما هي سوى بضعة أشهر حتى حزم حقائبه وقَفَل عائدًا إلى مسقط رأسه منذرًا وداعيًا ومبلغًا وحاملًا بين يديه مفتاح الفرج لمن كانوا قد أرسلوه ...

تدابرت الأيام مسرعة، وسرعان ما اشتاقت نفس ابن حلب الشهباء إلى أُسود الوغى المرابطين حول ثغور خراسان ...

وعلى جناح الشوق طار وبرفقة أحد إخوانه المهاجرين، وحطّ رحاله ثانية بين مراتع الأبطال، وسرعان ما التحق بقندهار ومعهدها الشرعي طالبًا ومدرسًا لأبناء الأفغان .. ولم يمض كثير وقت حتى وقع أسيرًا للابتلاء ..

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند

صبر المهاجر الغريب واحتسب ما لحقه من أذى في سبيل الله، ولم يجزع، ولم يترك الطريق المرير، وتابع المسيرة المضنية ولسان حاله يردد .. {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر: 10)

ولم يمض كثير وقت حتى يمم وجهه قاصدًا كابل التي ما أن وطأ ثراها حتى ترامى إلى مسامع أبناء التوحيد المهاجرين إلى الله خبر غزوة منهاتن المباركة وفرسانها الذين أعادوا الروح إلى أوصال أُمة الإسلام الممزقة، وأحيوا الأمل في نفوس أبناء الأُمة المخدرين، وأنقذوها من التيه والضياع التي كانت سادرة فيه ...

وبعد تلك القاصمة تقاطرت جيوش إبليس وتقاطرت قوى الشر لوأد ذاك الحلم الذي تعلقت به النفوس، ورأت به بصيص أمل للخروج من تيه الغربة والضياع والارتقاء بعد هذا الانحدار المزري ..

بضعة أسابيع وإذ بطائرات عبدة الأوثان تفرغ حملها على العُزّل من أبناء التوحيد .. وسرعان ما انبرى الليث المهاجر أبو أحمد مع إخوانه للذود عن حمى الله أكبر .. وبعد طول تضحيات، وبعد ان ارتوت أرض أفغانستان من دماء المئات من أبناء يعرب والآلاف من أبناء الأفغان .. سقطت كابل، وسُلِّمت مفاتيح شرفها بخيانة الخائنين ومتاجرة المتاجرين بدماء المسلمين، وسرعان ما علاها الصليب، وقام بالأمر فيها من حواه زنار ..

لقد سكن الأعداء مساجد ربنا ... وكان بها قبلُ الميهمن يذكر

فعادت إلى الخنزير والشرك مسكنًا ... وبوقاتهم فوق الصوامع تزمر

انحاز شهيدنا مع العصب المتبقية إلى خوست، ومنها تابع سفر غربته إلى رواسي شاهي كوت التي لم يستقر بها طويلًا فقد واصل السير وحطّ رحاله في بيرمل على أمل العودة ثانية إلى ميادين النزال .. ، ولم يمض كثير وقت حتى نادى المنادي يا خيل الله اركبي فقد زحف الصليب بجنده وقصد العصب المتبقية في رواسي شاهي كوت.

وعلى بركة الله انطلق عاشق المجد الحقيقي مع الركب المختار ولسان حاله يردد ..

فإن عشت فالطعن الذي يعرفونه وتلك القنا والبيض والضمر الشقر

وإن مت فالإنسان لا بد ميت ... وإن طالت الأيام وانفسح العمر

وهناك بين الرواسي العوالي التقى الزحفان زحف الإسلام الخالد وزحف الجاهلية البائد، وتصافحت الصوارم، وعزف الموت ألحانه العذبة .. وانبرى أبواحمد وقد استل حسامه وكان أول من رمى بتلك المعمعة كما أُخبرنا وما هي سوى أيام على القتل والقتال حتى أقبلت تلك الشظية التي مزقت رأس ابن حلب الشهباء، ورحلت بروحه الطاهرة إلى الباري الكريم، نحسبه كذلك والله حسيبه ..

أيعلم بطن الأرض ما فيه من ندى ... وجود ومن في رمسه بات مودعا

فيا جدثًا في طيه فاح طيبه ... فليس الثريا من ثراه بأرفعا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت