فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 308

ولم يهدأ كيد إبليس ولم يطب له أن يرى عزامًا في تلك الحلة الربانية، وحاول عن طريق العزلة أن يوقع به في شباك مكره .. إلا أن عزامًا تفطن لتلك الحيل الخبيثة واحاط نفسه بسياج منيع من الصحبة الطيبة والرفقة الربانية ...

وهنا أقف مع رفيق دربه الأخ سفيان المغربي ليحدثنا عن معاناة هذا الغريب الموحد:"في يوم من أيام عزام المشهودة سافرت أسرته إلى إحدى البلاد العربية طمعًا في قضاء عطلة الصيف فيها، وبعد ان رفض عزام مرافقتهم هذه الرحلة خوفًا عل نفسه من الفتن .. عزم عزام ان لا يدخل المنزل ولا ان يبيت فيه إلا بصحبة أحد إخوانه واختارني صاحبًا له مدة غياب اسرته، ويشهد الله انه كان أشد الناس حرصًا على ان لا ينفرد بنفسه إلا في موطنين حين قضاء حاجته وحين قيامه الليل .... وتابع قائلًا ولطالما ردد عزام وهو يرى الفساد والانحلال الذي غمر البلاد"والله لولا وجوب الصلاة جماعة في المسجد لاعتكفت في المنزل لا أخرج منه أبدا ..""

وأمام هذا الواقع الأليم المزري الذي غلف أجواء وطنه ضاقت نفسه وراح يرقب ذاك اليوم الذي ينفر فيه ويفر بدينه ...

وبينما كان في بيت من بيوت الله قائمًا إذ مرّ به احد رفقائه القادمين من مواطن الجهاد"أفغانستان"، وبعد عناق حار وتبادل لأطراف الحديث، وتقليب لصفحات الذاكرة، عرض عليه رفيقه الهجرة إلى أفغانستان ولم يكن يصدق الفتى الولهان بالهجرة والجهاد ما سمعت أذناه، فهذا مطلبه وهذه بغيته ...

هذا الذي هجر الأوطان محتسبًا ... في طاعة الله يُفني العمر إنفاقا

وأخيرًا ... ، بدت تباشير الخلاص تشع بنورها وراح عزام يعد العدة لرحلة لا عودة بعدها، وما أن شرع بما قد عزم عليه حتى فتحت الدنيا أبوابها له على مصراعيها، فقد عرض عليه الزواج وعرض عليه أخوه العمل معه في شركته الخاصة ولكن ...

بغض الحياة وخوف الله أخرجني ... وبيع نفسي بما ليست له ثمنا

إني وزنت الذي يبقى ليعدله ... ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا

ألقى الليث الهزبر بتلك الإغراءات وراء ظهره ومضى إلى حيث حتفه بعد أن ودع الدنيا وداعًا غير وامق ... وهناك فوق ذرى المجد التقت الروح مع الجسد ليكونا شخصية المهاجر عزام الذي سرعان ما التحق بمعسكر الفاروق فأعدّ واستعدّ، وما أن أكمل إعداده حتى يمم وجهه شطر كابل حيث فرسان الثغور المرابطون حول ثغورها ...

وبين ميادين النزال وخنادق القتال ذاق لذة الجهاد وحلاوة الرباط، وبعد أن بلّ ظمأه من ذاك الخير العظيم شدّ رحاله إلى جلال آباد، وبدأ مشواره مدربًا للقادمين من بعيد للذود عن لا إله إلا الله على فنون حرب العصابات والمدن ...

وفيما كان منشغلًا بتدريب الليوث، كان التسعة عشر صقرًا يعدون العدة للانقضاض على برجي الربا ومركز الغطرسة والكبرياء في مملكة الشيطان في الأرض، وبعد انتظار طويل مُرغ أنف أمريكا بالتراب، وذاقت طعم المذلة والهوان ...

وهل تغني الرسائل في عدو ... إذا لم يكن ظبىً رقاقا

وعلى إثر هذا الفتح المبين، أقبلت جحافل الروم بجمعها الغاشم وما أن أكملت حشد أتباعها حتى بدأت طائراتها تزرع أرض التوحيد بحممها الصليبية، وهنا انبرى عزام مع إخوانه وقد امتشقوا أسنتهم للذود عن بيضة الإسلام بمهجهم ودمائهم ...

وبعد تضحيات جسام وأشلاء ودماء وأرواح شهداء سقطت كابل وسرعان ما تبعتها بقية مدن الإمارة ...

وخبت مساجد كن نورًا جامعًا ... تمشي إليه الأُسد والآرام

وانحاز شهيدنا إلى مناطق القبائل، بعد ان كان مصرًا على عدم مغادرة ميادين النزال، ولكن أمر الأمير كان له بالمرصاد ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت