وأمام ذاك الواقع المؤلم لم يجد عكرمة سوى الرحيل عن مضارب الشريعة، وقد علاه رداء الحزن وتلفع ثوب الأسى، لتحط به قدماه بعد طول سفر على القمم الأبية المطلة على روابي أفغانستان ..
وفي صباح يوم مشرق استيقظ شهيدنا على صيحات الله أكبر يا خيل الله اركبي .. حيَّ على الجهاد .. ولم يكن منه إلا المبادرة الى تلبيت نداء الداعي، ليرحل بعد أن لبس لأمة الحرب مع كوكبة مباركة قاصدًا رواسي شاهي كوت حيث علوج الروم الغازية تستعد لاقتحام آخر معقل لجأ إليه من تبقى من أبناء الهجرة الميامين.
تجهزت الجموع الطيبة لملاقاة أبناء التثليث، واندلع القتال واشتد أوار المعمعة، وذاق الغزاة حرَّ صوارم ورثة محمد صلى الله عليه وسلم، وتجرعوا من كؤوس الموت حتى ثملوا ..
وتركهم صرعى بكل تنوفة ... سكارى بكاسات المنية لا الخمر
وبعد كثير قتل وقتال وضعت الحرب أوزارها، وأقفل شهيدنا عائدًا الى عرينه تجلله نياشين العزة ويعلوه صولجان الفخار ..
وكعادة أصحاب الهمم العوالي التي لا ترضى الدون، استهل مشوار غربته مدربًا لإخوانه المهاجرين بعد أن نال قسطًا من التدريب العسكري أهَّلَهُ ليكون مدربًا ماهرًا واستاذًا بارعًا لتلك الوجوه الطاهرة في زمن الغربة.
وعلى غير ميعاد ساقتني الخطا الى معقل كريم من معاقل الرجال ليكون اللقاء الأول مع تلك الشمعة التي تقطر حياءً ورقةً وتواضعًا .. وفيما كانت الفرحة تعتمل القلب برؤية الكوكب الغامدي كانت الأوامر بالطريق إلينا لتخطفه من بيننا وترحل به ثانيةً الى مصانع الرجال ليتابع المشوار الذي بدأ.
وعلى الرغم من انشغاله بإعداد رواد الأمة الأماجد، إلا أنه شارك إخوانه الغدوات والروحات، ولطالما ذاق الغزاة وأذنابهم المرتدين زفرات مدفعه ...
وفي خضم ذاك العطاء المميز شاء الله أن يلتف عليه ناب المرض، الذي سرعان ما أقعده ولزه الى غرفة العمليات، ليخرج منها أكثر إصرارًا على خدمة دين الله، فهمته التي تطاول الجوزاء وتباري مزن السماء أكبر من أن تجعله أسير الفراش ..
جرى معه الجارون حتى إذا انتهوا ... الى الغاية القصوى جرى وأقاموا
وما أن بدا على صاحب الهمة علامات الشفاء، حتى سرت به همته وقصدت بصاحبها اللجنة العسكرية، ليكون شرف اللقاء الثاني، ولتزداد أواصر المحبة على وقع ترانيم عمله الجديد الذي أوكل إليه.
صفاته وأخلاقه: كان رحمه الله:"ذا همة عالية لا تعرف الكلل ولا يتسرب إليها الوهن والملل، مولعًا بخدمة إخوانه محبًا لهم، تاليًا لكتاب الله، ذا فكر نير ونظرة ثاقبة، وقلم سيال، ومدربًا بارعًا وأميرًا محبوبًا ..."
ستة أشهر ويزيد مذ حلّ سلطان ضيفًا على اللجنة العسكرية، وما أن أفلت شمس تلك الأشهر حتى انتدبه الأمير العام ليكون على رأس المجموعة القتالية التي ضربت خيامها فوق سفوح اللوارا.
وهناك أبلى القائد الجديد أيما بلاء، فقد أشرف على وضع الخطط العسكرية وتنفيذ العمليات، ولم تَحُل الرصاصة التي اخترقت قدمه بطريق الخطأ بينه وبين مواصلة المشوار الطويل، بل سمت به روحه ليقتحم بوابات الحتوف، ومكامن القتل وجرحه ما زال لم يكتمل.
ولحسن أخلاقه وعظيم عطاءه وكثير بلاءه، فقد تم ادراج اسمه ضمن تلك الثلة التي وقع عليها الاختيار لشد الرحال الى بلاد الرافدين، لمقارعة علوج التثليث النصراني المدنسة لذاك الثرى الطيب أهله ..