فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 308

وما هي الطرق الموصلة إلى تلك الجنان وإلى معانقة الحور الحسان .. ؟ وأمام صغر سنه لم يجد من أهله سوى الصد والمنع من الرحيل إلى معاقل الرجولة والشموخ ... ولم يفت في عضده ذاك المنع، بل كان دافعًا لتكرار المحاولة التي أثمرت، فبعد محاولات ومحاولات أذنت تلك القلوب الحانية لفلذة كبدها ان يلحق بذاك الركب المبارك، وسرعان ما حطّ رحاله ضيفًا مكرمًا على الشيخ أبي الليث الليبي ..

صفاته وأخلاقه:- حدثني الأخ سيف الرحمن الأفغاني قبل استشهاده عن هذا الفارس قائلًا:- كان رحمه الله:"خادمًا لإخوانه المجاهدين، عاشقًا للجهاد في سبيل الله، صاحب سمع وطاعة لإخوانه، الابتسامة لا تفارق ثغره، يكاد يطير فرحًا بوجوده بين غرباء آخر الزمان .."

جبابرة في الروع تعدوا جيادهم بهم فوق ما سحّ الوشيج المقوم

ترحل من آجامها الأُسد خيفةً ... اذا نزلوا للرعي فيها وخيموا

ولم يمض على وجود الشبل في عرين الأُسود سوى يومين حتى انشغل القلب الحاني هناك في مسقط الرأس على فلذة الكبد الذي طار بجناحي الجهاد، وراح يرفرف عاليًا مغردًا فرحا بوجوده بين الغرباء بدينهم، وصلت الرسالة الحاملة بين طياتها طلب عودة احمد إلى مراتع الطفولة والصبا .. وتزامن ذلك مع عودة صقور الوغى من غدوتهم التي صبوا فيها حمم مدافعهم على معاقل الردة والخيانة في شنكاي ..

وعدت مخضبًا بدم الأعادي وكربُ الركض قد خضب الجوادا

وهنا وقف شهيدنا حائرًا تائهًا بين رغبة القلوب المتلهفة لرؤية الفتى الغائب، وبين شوقه الذي يعتمل صدره وجوانحه تجاه الجهاد ورواده ..

وكيف ينال المجد والجسم وادع وكيف ينال الحمد والوفر وافر

وبعد طول تردد حسم أحمد الحسن أمره وقرر البقاء ضاربًا المشاعر والعواطف التي تحول بينه وبين أمر الله عرض الحائط .. {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (التوبة: 41) .. وهناك بين الآساد نام ليلته الأخيرة فوق هذه البسيطة، فما هي سوى ساعات حتى أقبلت طائرات الردة الباكستانية تشق صدى الليل بدويّ محركاتها .. وبدأت حممها تنهال كالشهب على تلك البقعة الطاهرة التي حوت بين جنباتها أجساد ثلة مباركة أبت الركوع لغير الواحد الأحد .. و بين الركام أسلم أحمد الحسن الروح إلى بارئها، وزفّ إلى الحوراء التي طالما سمع عن حسنها إن شاء الله ...

يا كوكبًا قد هوى للترب منخفضًا ما كنت أحسب أنّ البدر ينخفض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت