قف دون رأيك في الحياة مجاهدا إن الحياة عقيدة وجهادُ
ومع تأجج نار الجهاد فوق رواسي الشموخ هناك في الشيشان، قرر شهيدنا أن يلقي بأثقال الدنيا عن كاهليه ويلحق بركب السائرين إلى الله بحثًا عن رضاه ....
ألقى المهاجر الغريب بعصا ترحاله في مضافات جورجيا، وبعد شهرين قضاهما صابرًا مصابرًا منتظرًا العبور إلى الشيشان أقفل عائدًا إلى مسقط رأسه لعدم توفر معبرٍ إلى ميادين الرجال ومصانع الأبطال، وقد لفّه الحزن، وخالجته العبرات .. فمسقط الرأس العائد إليه لطالما دنسه النصيريون بنجسهم ورجسهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ...
وبين حارات دمشق يسر الله أمر مختار، واقترن بسيدة عراقية شاركته فيما بعد مسيرة الغربة ومشوارها الطويل الوعر ...
ولم يمض كثير وقت على زواجه المبارك، حتى تقدم إلى السفارة الاسترالية، وقدم أوراقه على أمل السفر إلى ذاك العالم الجديد مهوى أفئدة الباحثين عن الحياة ونعيمها الزائف الفاني ... وتزامن ذاك مع ارتباطه ببعض إخوة التوحيد الذين كان لهم قدم سبق في الجهاد الأفغاني .. وهنا يقف المرء حائرًا محتارًا ولا بد ان يختار بين استراليا حيث هناك وما أدراك ما هناك .. ؟ وبين أفغانستان حيث الحديد والنار وشدة الأهوال .. واختار مختار رضى الله ..
{قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة: 24) حزم ابن القامشلي حوائجه، وشد الرحال إلى حيث المبتغى المرجو قندهار، وسرعان ما التحق بمعسكرها الفاروق فأعدّ فيه واستعدّ، وما أن أكمل إعداده الأولي حتى يمم وجهه نحو كابل منتظرًا وصول زوجه ..
صفاته وأخلاقه:- كان شرف اللقاء الأول به بين مرابع كابل:"رأيته شابًا مليئًا بالحيوية والحماس، تعلو وجهه حمرة ذا بنية قوية، وأدب رفيع، وحياء جمّ، وكرم وسخاء قلما رأيته في أمثاله، وصبر لم أرى مثله عند غيره ..."
أرى كل ذي جود إليك مصيره ... كأنك بحر والملوك جداول
وبين دخان المعامع وغبار الخنادق رابط شهيدنا، وشارك ليوث الوغى بعضًا من غدواتهم، وحاديه في تلك الغدوات المباركة قوله عليه الصلاة والسلام {لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما عليها} وفيما رياح الجهاد تغدوا به، وتمسي كان صقور السماء على موعد مع الارتطام بطائرات العزة بصروح الصنم المتهاوي"أمريكا"وإحالة تلك الأمجاد الزائفة إلى ركام فوق ركام ...
واقذف نحور المشركين بجحفل ... يمحو معالم أرضها ومنارها
واحلل عرى تلك الجماجم إنها عقدت على بغض الهدى زنارها
وكأنني بك قد ثللت عروشهم ... وسلبت بيضة ملكه جبارها
وقتلت بين نجادها أنجادها ... وصرعت في أغوارها أغوارها
وكشر ورثة قيصر عن ناب حقدهم، وأقبلوا بجحافل مكرهم، وأحاطوا ببقعة التوحيد أفغانستان، لم يمض كثير وقت حتى أنشبت الحرب أظفارها، وتشابكت الأسنة، وخرست الألسن، وخطبت الصوارم فوق المنابر ..
وعلى الرغم من سيل التضحيات الدافق إلا أن المؤامرة كانت أكبر من إمكانيات الجميع، وسرعان ما سقطت كابل بأيدي عملاء الشيطان ...