وسرعان ما انغرس بقلبه حب الجهاد واستشهاد .. وعلى جادَّةِ تلك الهداية الماجدة، راح شهيدنا يُبلغ إخوانه ويدعوهم إلى العودة إلى الله واللحاق بموكب العائدين إلى الله، ومع كل يوم يمرّ عليه في تلك البقاع يزداد بغضًا وكرهًا لذاك المجتمع الجاهلي المنحل، ولم يجد للخلاص من تلك الجاهلية مفر سوى الهجرة إلى ميادين الشريعة والقرآن"أفغانستان"....
وبعد كثير جهد وجد الطريق الموصل إلى الرحمن، وسرعان ما حزم حقائبه ويمم شطر خراسان، وبين نجود قندهار حطّ رحاله، وسرعان ما التحق بمعسكرها الفاروق الذي أعدّ فيه، واستعدّ، وما أن أكمل دورته الأُولى حتى ترامى إلى مسامعه عبر المذياع نبأ إغارة فرسان التوحيد على معاقل الصلبان هناك في مملكة الشهوات والأهواء"أمريكا الصنم"وإحالتها إلى حطام وركام ..
شننت عليهم شعواء أبقت ... لكل منهم قلبًا خفوقا
وعلى وجه السرعة استنفر الأمير جموع التوحيد وسرعان ما لبوا النداء ويمموا شطر كابل للدفاع عن حماها ومن بين الراحلين كان المهاجر الجديد مسلم .. ولم تمض سوى بضعة أسابيع على ذاك الغزو المبارك حتى بدأت حمم الصليب تنهال على معاقل الموحدين وتصدى مسلم مع بقية عصب التوحيد لطوفان الصليب .. وأبلى الموحدون بلاءً قلما يجود الزمان بمثله .. إلا أن المؤامرة كانت أعظم والخيانة بدت أفدح، وسرعان ما سقطت كابل، وغدت مرتعًا خصبًا للعلوج النصرانية ..
وقامت دعوة الطاغوت جهرًا ... وهدمت المساجد والمآذن
ولم يجد شهيدنا والحالة تلك من الخيانة سوى الانحياز إلى روابي خوست مع العصب المتبقية، ليتابع من هناك رحلة الغربة ويستقر به المقام بين مضارب القبائل البشتونية ...
قومٌ كرام لا يضام نزيلهم ... وحماهم حام من الأعداء
صفاته وأخلاقه:- كان رحمه الله كما وصفه رفيق دربه الأخ جراح التونسي:"ذا أخلاق عالية وتواضع جميل، صابرًا على إخوانه، قائمًا لليل مجتهدًا في العبادة ... وأضاف الأخ منصور الحربي قائلًا:- كان رحمه الله يقوم الليل من الساعة الثانية عشر إلى الفجر، وكان يصوم يومًا ويفطر آخر .. وكان يصوم حتى أثناء القتال، خادمًا لإخوانه وتاليًا لكتاب الله ... وأضاف الأخ غزوان الجنوبي قائلًا:- كان رحمه الله يطلب الشهادة بصدق، ذا همة عجيبة في العبادة، لا يترك قيام الليل لا في سفر ولا في شدة حال، وما أذكر أنه توضأ إلا صلى ركعتين سنة الوضوء .. وكان له ورد كل يوم في تلاوة القرآن الكريم .. وكان لا يترك الصيام حتى في السفر، ولا أظنه إلا وليًا من أولياء الله ..."
وبعد طول مُكث بين رواسي القبائل تم انتدابه للذهاب مع الركب الرباني القاصد جلال آباد لمقارعة أبناء الصليب وأذنابهم المرتدين الذين يسرحون ويمرحون دون رقيب ولا حسيب ...
وإذا ما خلا العرين من الليث ... أغار السرحان فيه وكرا
حزم العابد الزاهد حوائجه، ويمم قاصدًا جلال آباد .. وبعد رحلة حفتها المصاعب ألقى بعصا ترحاله بين الروابي القريبة من جلال آباد .. ولم يمض كثير وقت حتى بدأت غدوات المجاهدين وروحاتهم، وشاركهم ابن تونس جهادهم المبارك ...
وفيما أمواج الجهاد تروح به وتغدوا، كان شهيدنا كما حدثني الأخ جراح التونسي على موعد مع رؤيا مبشرة، فقد رأى نفسه وقد امتطى صهوة جواد أبيض، وراح يصعد به إلى السماء محلقا، وتتابع مسلسل الرؤى قبل الرحيل، فقد حدثني الأخ منصور الحربي عن رؤيا رآها مسلم قبل الشهادة قائلا:-"رأى مسلم نفسه قبل الشهادة واقفًا أمام الجنة، وبعد ذلك فُتح له باب من أبواب"