معقله من وصول خبر السقوط إليه في الوقت المحدد، وسرعان ما ترامى خبر وجودهم إلى زمر النفاق، وهنا أقبلت جحافل إبليس، وحاصرت المنزل، واشتبكت الأسنة، وتصافح الرصاص، وعلا دويّ القنابل .. وبفضل الله استطاع مجاهد مع اثنين من رفقاء دربه الانسحاب وبحوزتهم قطعتا سلاح .. وبعد طول مشقة وصل الركب إلى منطقة لا تبعد سوى عدة أمتار عن فندق انتركونتنتال لتتم البيعة بينهم على القتال حتى لقاء الله .. وفي تلك الأثناء أقبل أحد عملاء النفاق وأخبرهم بوجود الطالبان في الفندق المجاور، ولم تنطو الحيلة عليه وانطوت على أحد رفقائه .. وما أن وصل الفندق حتى استقبله المنافقون الشماليون .. ورأى أبو مجاهد ما جرى ففر بصحبة رفيقه الأخ عزام الأزدي إلى حيث لا يدرون ....
غريب من الخلان قد ند صحبه ... وقد أقبل الأعداء واحلولك الليل
وهناك وعند أحد المنازل وقفوا وراحوا يقرعون الباب وحاول مجاهد الدخول إلا أن صاحب المنزل حال بينه وبين ما يرغب ولم يفق من تلك الصدمة إلا والمنافقون فوق رأسه في السلاح .. وبدأت الأيادي تتناوب عليه ضربًا وركلا وأودع سجن النفاق ..
وفي ظل تلك الأجواء العصيبة سخر أرحم الراحمين مَن يخلصهم من ذاك الأسر العقيم، ومضى بهم ذاك القائد الموحد إلى أحد بيوت أصحابه ..
وإذا أصابك في زمانك شدة وأصابك الخطب الكريه الأصعب
فادع لربك إنه أدنى لمن ... يدعوه من حبل الوريد وأقرب
حطّ مجاهد قدميه في معقل آمن، وبدأت التساؤلات تغزو مخيلته إلى متى سأبقى قابعًا في هذا السجن المؤقت ... ؟ ويتردد صدى السؤال دون أن يكون هناك جواب يهدأ من روع سائله .. وعلى الرغم من المعاملة الحسنة التي تلقاها من ذاك القائد الرباني إلا أنه كان يريد ان ينطلق، ويتحرر من الأثقال، ويحرق الأرض من تحت أقدام الغازي الصليبي ..
وبعد طول نقاش ومشاورات واستخارة استقر أمره على الفرار من هذا الأسر المؤقت، حزم عاشق الحرية أمتعته في حقيبته الصغيرة، وشمر عن ساعديه، وفرّ إلى المجهول متوكلًا على العلي القدير، ولم يمض سوى وقت قليل على مغادرته حتى التقى بأحد الرعاة، وما أن رآه ذاك الراعي حتى علم أنه عربي، وفرّ أبو مجاهد، وعلم أن الأمر ليس بتلك البساطة، وأقفل عائدًا إلى منزله الذي تاه عنه .. وبعد جهد جهيد وعناء ونصب اهتدى المهاجر إلى منزله الضائع ..
وبعد سنتين ونصف قضاها على تلك الحال متنقلًا من منزل إلى آخر تحفه عناية الرحمن، راح يُقلب صفحات ذاكرته وسرعان ما عادت به الذاكرة إلى أيام سجنه فقد تعرف في تلك الزنزانة على رجل طيب تم أسره بسبب خدمته للمجاهدين العرب، وبدأت معالم الخلاص يلوح سناها في الأُفق، واستطاع بمعية الله ان يتذكر اسمه وأخيرًا وجد الطريق إلى الخلاص ..
بدأ ابن قبيلة الشهري بتعلم اللغة الفارسية لغة القوم، وأتقن اللهجة حتى يستطيع الوصول إلى رفيق سجنه وكان له ما أراد ..
ماضٍ كنصل السيف لا ينثني مصمم في الحادث الجلل
واستعان بالله وعلى بركته مضى مودعًا أخوي السجن {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (الممتحنة: 4) وسار قارب النجاة تتقاذفه أمواج المخاطر وأنياب النوائب ..
و بعد طول غربة وعظيم عناء وصل المتوكل على الله وطرق بيت رفيق السجن .. وهناك سكبت العيون عبراتها فرحًا باللقاء، وبعد عدة أيام أبحر شهيدنا برفقة الصاحب إلى كابل ليحطّ رحاله في منزل أحد أنصار الموحدين. شهرين رحلا وإذ بخبر الارتباط