رأوا هول يوم الحشر في موقف الردى وهل تنكر الأهوال في موقف الحشر
فدمرهم تدمير عاد لبغيهم ... بصاعقة لم تبق للقوم من ذكر
ألم ترهم صرعى كأن دماءهم ... تسيل كما سالت معتقة الخمر
ولم يمض كثير وقت على تلك الغزوة المباركة، حتى دبّ المرض ثانية في جسد أسيد، وهنا عرض عليه إخوانه الرحيل إلى باكستان، وما ذاك إلا حرصًا على صحته، وطمعًا في توفير عناية صحية خاصة له، ورغبةً في إبعاده عن مكامن الخطر القادم ...
ولكن أنّى للنفس التي عشقت الجهاد والاستشهاد أن تتقهقر إلى الوراء ... ؟ وأصرّ صاحب تلك النفس الأبية على البقاء في ركب المهاجرين، وسرعان ما امتطى حافلته رغم المعاناة، وراح يتفانى في خدمة إخوانه صابرًا محتسبًا الأجر والمثوبة من الله ...
وبعد خمسين يومًا من الصبر والمصابرة، والدماء والأشلاء، سقطت قندهار، وضاعت مفاتيح كرامتها، وعلا الصليب أعلى منابرها، وقامت دعوة الطاغوت جهرًا، وهدمت المساجد والمآذن ..
وأمام ذاك الواقع المرير الذي حفّ قندهار، لم تجد العصب المهاجرة سوى الرحيل إلى رواسي شاهي كوت، لمواصلة الرحلة منها إلى باكستان التي وصلها أسيد بعد طول سفر وترحال ..
وهناك بين حواري المدنية الزائفة، وأزقة الجاهلية العفنة عاف الفتى المهاجر تلك الحياة الروتينية، وسرعان ما اشتاقت روحه الأبية إلى مقارعة العدا ...
وبعد جهد جهيد، يسر الله له الطريق الموصل إلى غرباء آخر الزمان، الرابضين فوق رواسي العز والفخار، منتظرين الإغارة على قلاع الكفار ..
ظن الفرنجة أن الليث أوهنه ... وقع الخطوب فما يشتد منتقما
فهب يحمي الحمى من غيله ومضى كالنار تلظى بحبل الله معتصما
أبحر قارب الفتى الغريب متوكلًا على الله، وبعد طول سفر رسى الرحالة في ميناء الغرباء، وهناك بين الرواسي كانت فرحة اللقاء بهذا الفارس الهمام ...
وما هي سوى أيام على عودته الميمونة، حتى هرع إلى حافلته، وراح يمارس هوايته المعتادة في خدمة الإخوان مكملًا مشوار قندهار ...
وبعد طول خدمة في العمل الإداري تم انتدابه ليشد رحاله إلى زابل، حيث علوج الصليب تسرح وتمرح بلا رقيب ولا حسيب ..
وعلى بركة الله سارت خطا شهيدنا، والأمل يزين رؤاه بالنيل من حفدة الروم، وأذنابهم المرتدين ...
وهناك بين سهول زابل ووهادها، بدأ مشواره الجديد في عالم القتل والقتال، ومنّ الله عليه بعدة عمليات موفقة، نال فيها من أعداء الله ما نال ...
وبعد بضعة أشهر من الرباط والنزال تم استدعاؤه إلى مركز القيادة ليوكل إليه على إثر ذاك الاستدعاء قيادة إحدى المجموعات القتالية المرابطة فوق رواسي أفغانستان ...
إذا دعته للوغى همة ... كان هو المقدام والمستشار
وعلى بركة الله سار قاصدًا مركزه الجديد، وشاء الله لي وشرفني بأن أرافقه الرحلة إلى مركزه الجديد، ولم يمض كثير وقت، حتى فارقته مودعًا ليواصل بقية أيامه الأخيرة في مركزه الجديد ..