ففي يوم مبارك من أيامه، وفيما الفتى الصغير في مركز من مراكز الشيخ أبي محمد التركستاني، وإذ بالشيخ أبي الليث الليبي يطرق باب ذاك المعقل، وبعد طول حديث، وتجاذب لأطراف الكلام بين الشيخين، قال الشيخ التركستاني موجهًا حديثه لأبي الليث"موجود هنا شبل صغير في عمره، ولكنه كبير جدًا في همته وأخلاقه وخدمته .."وهناك تحت سقف تلك الغرفة تم التعارف بين أبي الليث وتلميذه الوزيري ..
توالت الأيام مسرعة، وحزم الفتى الوزيري حوائجه، وييمم وجهه قاصدًا معسكرات أبي الليث، وهناك بين تلك الميادين التي يحبها الله ورسوله، أعدّ أبو بكر واستعدّ، وما أن أنهى إعداده حتى أرجعه أبو الليث إلى مسقط رأسه، وما ذاك إلا لصغر سنه ..
وفوق بحور من الأحزان سارت سفينة الفتى العائد إلى مسقط رأسه، وبين مرابع الطفولة والصبا ضاقت نفسه، ولم تطق البقاء بين الأهل والعشيرة، وسرعان ما عزم على العودة إلى عرين الأسود حيث غرباء آخر الزمان القابضين على الجمر الفارين بدينهم ..
جحاجحة غر الوجوه صباحها ... ألا بأبي تلك الجحاجحة الغر
يمانون في أيمانهم ملتقى العلا ... سماح إذا قروا وبأس إذا كروا
من العرب العرباء في سر يعرب ... صفا للمعالي منهم السر والجهر
حطّ شهيدنا رحله ثانية بين الغرباء، وما لبث أن التحق بأبي الليث كمرافق خاص، مطواعًا بين يديه خادمًا له، ولم يكتف الوزيري بذلك، بل شارك إخوانه رباطهم وجهادهم، وحلهم وترحالهم، وغدواتهم وروحاتهم .. وفي غدوة من غدواته المباركة، وفيما قذائف العدو تنهال على وفد الله، افتقد أبو الليث أخاه ابا بكر، وسرعان ما راح يبحث عن رفيق الدرب، وبعد طول بحث أبصره هناك ساجدًا لله يسأله الشهادة في سبيله ..
صفاته وأخلاقه: كان رحمه الله كما عرفته:"خادمًا لإخوانه، كثير الصمت قليل الكلام، ذا فطرة سليمة وقلب أبيض ناصع، تلمح بين عينيه البراءة والصدق .."
طبعه الحلم والرزانة والعفة ... والعفو لا الجفاء والخلابة
وقد حدثني أميره الشيخ الليبي قائلًا: كان رحمه: ذا أخلاق حسنة وهمة عالية، كبيرًا في عقله، كبيرًا في رزانته كبيرًا في خدمته، محبًا للعلوم العسكرية وللشهادة في سبيل الله راغبًا فيها، محبوبًا من قِبل الجميع والكل يجله ويقدره، وأضاف الأخ لقمان المكي قائلًا: كان رحمه الله ذا أدب رفيع وأخلاق حسنة، طيب القلب عذب الروح، ذا شجاعة وإقدام لا يعرف الهلع والفزع إلى قلبه سبيلا .. وعندما قُتل شعرت أنني فقدت جزءًا عزيزًا من جسدي ..""
توالت الأيام مسرعة بشهيدنا لتحطّ به على أعتاب غزوة الوارا، فبعد أن أعدّ أبناء التوحيد واستعدوا لتلك الغزوة، تحرك الركب يرافقهم شبل وزيرستان أبو بكر، وبعد كثير جهد وصل وفد الله، واعتلى تلك القمم المطلة على معاقل عبدة الأوثان وأذنابهم من عبدة الدينار، وما أن أخذ كل فارس موقعه المعد له حتى جاء الأمر ببدء الحملة، وهناك فوق تلك القمم صدحت الألسن بالتكبير والتهليل، وذاق أبناء الصليب وعملاؤهم المرتدون من حمم ورثة الرسل ما ذاقوا ...
ثم صبوا عليهم حملة أحستهم ... واشتدت بهم بأساء
ببروق من السيوف إذا شيمت ولكن أمطارهن دماء
وما أن أنهى الرواد حملتهم المباركة، حتى أقفل الركب عائدًا أدراجه .. وفي تلك الأثناء، وفيما الركب سائرًا كانت طائرات الصليب ترقب خطوات العائدين، وبكل مكر وخبث شيطاني راح ربان تلك الطائرة ينتظر لحظة تجمع الركب المحمدي العائد ...