فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 308

سارت عجلات قطار الزمان مسرعة، وكبر الصغير وجال ببصره يمنة ويسرة فلم ير غير اسبانيا كمخرج له من ذاك الواقع المرير الذي يغلف أرجاء المجتمع المغربي .. فحزم حقائبه وشد رحاله إلى مهوى أفئدة الكثير من أبناء المغرب العربي ... وبين حواريها وأزقتها ومعالمها التي تذكر المرء بمجد آبائه المؤثل راح وغدا باحثًا عن فرصة عمل، وبعد طول بحثٍ تحقق له ما أراد ...

وانشغل في جمع حطام الدنيا حتى ساقته خطاه إلى ثلة من جماعة التبليغ، وعلى أيدي تلك العصبة الطيبة أبصر التائه الغريب النور الرباني ... واستجاب القلب الشارد لتلك الدعوة الربانية، وغدا بلال بلالًا آخر وقد اكتسى ثوب الإيمان وكلله تاج الوقار، وارتقى سلم الهداية والرشاد، وعلا نجمه وبزغ فجره، واعتلى رويدًا رويدًا ذروة سنام هذا الدين"الجهاد".. ومع تلك الصور الخالدة المشرفة وقدجعلت طائرات أبناء التوحيد معاقل الصليب كأمس الدابر تضرم صدر العاشق الولهان للهجرة والجهاد ...

وكانوا بها أُسدًا فلما غزوتهم ... غدوا بقرًا عُونًا لهن خوار

رأوا منكم ما لا يرى بختنصر ... وما لا يراه مصدع وقدار

ولم تمض سوى أيام حتى حزم حقائبه وشد رحاله إلى مهوى الأفئدة وقرة الأعين أفغانستان ليطفئ لهيب ذاك الشوق العارم ...

وبعد مسيرة عناء حطّ الفارس المهاجر رحاله فوق ثرى قندهار وما أن وطئت قدماه سوقها حتى فوجئ بذاك المشهد الفريد ... إنه مشهد لم يعتد عليه من قبل ... مشهد تاجر من تجار الدماء ارتضى لنفسه أن يكون حذاءً قذرًا في أقدام أبناء الصليب الأمريكي وقد علاه حبل المشنقة جزاءً وفاقا لما اقترفته يداه الآثمتان ... وفي تلك اللحظات نطق لسان بلال المتعطش لتطبيق شرع الله في الأرض"لأول مرة في حياتي أرى رجلًا معلقًا وقد أقيم عليه حدّ الله إنه مشهد لا يمكن للمرء أن ينساه أبد الدهر"..

وما هي سوى أيام على ذاك المشهد الرائع حتى فقدت المدينة العتيدة مفاتيح عزتها .. ومضى بلال مودعًا وقد رسم الحزن على محياه معالم ذاك الأسى ولسان حاله يردد ...

لم يبق من بدني جزءٌ علمت به ... إلا وقد حله جزء من الحزن

وبين رواسي شاهي كوت ألقى المهاجر الغريب بعصا تسياره، ولم يطل بقاؤه طويلًا فقد نادى المنادي للرحيل إلى مناطق القبائل ...

وهناك بدأ شهيدنا مشواره، فانكبّ على ينابيع العلم العسكري ينهل من معينها الصافي فأعدّ واستعدّ الاستعداد اللازم لمقارعة علوج الصليب وزمر الردة وأحلاف النفاق ...

تصرمت الأيام مسرعة، وبدأ تشكيل المجموعات القتالية، وانتدب بلال ليكون مع العصب التي أنيط بها بناء الخلايا الجهادية وإذكاء روح القتال هناك حول ربوع جلال آباد ...

وعلى اجنحة الشوق طارت قلوب المحبين وطيف الأمل يداعب مخيلتهم بمقارعة علوج الصليب وأذنابهم زمر الردة والنيل منهم ... وبعد رحلة مضنية حطّ الركب رحله، وبدأ بلال مشواره بالعمل الإداري وبقي على حاله تلك خادمًا لإخوانه قرابة السنة ...

صفاته وأخلاقه: - كان رحمه الله كما حدثني الأخ أبو سلمة النجدي:"صوامًا قوامًا تاليًا لكتاب الله، صاحب مرح جميل محبوبًا من قبل الجميع وخاصة الأنصار، عاشقًا لعلوم المتفجرات .. وقد اجمع كل رفقاء دربه أن سيقتل شهيدًا وذلك لما عاينوه منه .... وأضاف الأخ غزوان الجنوبي قائلًا:- كان رحمه الله يطلب الشهادة بصدق ويلح على الله بأن تكون في رمضان القرآن، وكانت في رمضان كما تمنى ورغب ..."

وبعد ما يزيد عن السنة قضاها في المراكز الخلفية، اشتاقت نفسه لدخان المعامع وطعن الرماح، وسرعان ما حزم حقائبه والتحق بمواكب عشاق الشهادة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت