أدبرت الليالي والأيام مسرعة، وجاء اليوم الموعود الذي كتب الله فيه الهداية والرشاد لهذا الفارس التائه، وكان ذاك على يدي شقيقه الذي ساقه الله إليه لينتشله من ذاك التيه والضياع، ويُودِعُهُ أول طريق العودة إلى الله ..
أكب ابن حراثة بعد أن عرف الطريق على طلب العلم هناك في ساحات الحرم المكي .. {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (فاطر: 28) وراح يحفظ من كتاب الله ما يسره له العلي القدير، وحفظ بعد طول حفظ ومراجعة خمسة عشر جزءًا، وكان ذاك قبل لحاقه بكواكب المجاهدين ..
تتابعت الأيام مسرعة وراح يجول في خاطره أن يجمع بين طلب العلم وبين ما هو أحب إلى الله من القيام عند الحجر الأسود .. وسرعان ما داعب مخيلته قول النبي الأكرم ? {قيام ساعة في الصف للقتال في سبيل الله خير من قيام ستين سنة} ، وسرعان ما فقه القلب المفعم بحلاوة الإيمان ونفر الليث المكي من مخدره وحطّ رحاله بادئ ذي بدء في أرض كشمير ..
وهناك أعدّ واستعدّ مع الأسود المهاجرة، وكله أمل أن يصل إلى رواسي الشيشان حيث ورثة محمد ? وقد شرعوا أسنتهم وانتضوا رماحهم ...
صناديد و لكن الصناديد دونهم ... صماصم صيد أي صيد صماصم
هم الناس خير الناس والناس عنهم ... تفرّ اذا كروا لجزر الحلاقم
هم الجن إن أبصرتهم في مغافر ... وبيض وهم في الأنس تحت العمائم
اذا ركبوا مستلثمين فإنهم ... من الجن أمضى والليوث الضراغم
اذا حملوا في القوم قلت صواعق ... من الجو خرت بالسيوف الصوارم
مقاديم إلا في الآثام فإنهم ... إلى هفوات الإثم غير مقادم
وبين رواسي كشمير تنامى إلى مسامعه خبر الإمارة الإسلامية وتطبيقها لشريعة الرحمن .. {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (الحج: 41)
ولم يمض كثير وقت حتى حزم حقائبه ويمم وجهه نحو قرة العين أفغانستان وكان ذاك في صيف عام 2000 وبعد ان استشار، واستخار قرر المهاجر الغريب البقاء في عرين الأُسود .. وبدأ مسيره إلى كابل حيث خطوط القتال هناك في كابل تنتظر الأبطال، وبين غبار الخنادق وأزيز الرصاص كان اللقاء الأول لي به ...
وهناك وجد ابن حراثة روحه بعد ذاك الترحال، فملك الخط عليه روحه ووجدانه لا يفارق الخط، ولا يفارقه وكأن لسان حاله يردد ...
أأطرح المجد عن كتفي وأطلبه واترك الغيث في غمدي وأنتجع
والمشرفية ما زالت مشرفة ... دواء كل كريم أو هي الوجع
وفي تلك المرابع التي تتغشاها ملائكة السماء تابع حفظ الكتاب الكريم .. ووصل إلى الجزء السابع والعشرين .. وغالبًا ما كان يؤمنا في الصلاة فقد حباه الله صوتًا نديًا مجلجلا ..
صفاته وأخلاقه:- حدثني رفيق دربه الأخ حمود الطائفي عنه قائلًا:- كان رحمه الله:"صموتًا قليل الكلام .. مجانبًا للجدال داعيًا للتوحيد زاهدًا ورعًا وقافًا عند حدود الله، لا يحمل مالًا في جيبه .. حافظًا لكتاب الله مجتهدًا في مراجعته حتى انه كان يقرأ في"