وارتقى، وحيث أنه ينتمي لأُسرة كريمة محافظة ملتزمة فقد ناء بنفسه عن الغوص في نتن الجاهلية الآسن وشبّ منذ نعومة أظفاره على حب الإسلام وأهله وبغض الكفر وزمره وأشياعه.
وفي سن مبكرة نفر شهيدنا إلى أرض آبائه وأجداده للذود عن حماها بعد أن غزاها أحفاد الروم وأراب الصليب.
ليث اذا زار الليث الهزبر له ... لم يحسب الليث إلا ثعلبا ضبعا
وهناك فوق روابي الأجداد شارك المهاجر العائد جموع الموحدين جهادهم ورباطهم، وبعد ملاحم خالدة ذاق فيها الصليب وأذنابه طعم الموت الزؤام، وضعت الحرب أوزارها، وفرت علوج النصارى إلى أوطانها تحدث الناس هناك عن عزة الإسلام ومنعة المسلمين ...
ومع فرار العلوج عاد الليث إلى مرابع الهجرة كينيا التي لم يطل بقاؤه فيها طويلًا، فقد حزم حوائجه، ويمم وجهه هذه المرة شطر أفغانستان العز والفخار .. وهناك في تلك المرابع التي تتغشاها ملائكة السماء رأيته، وقد انتدبه إخوانه ليكون أميرًا لإحدى المجموعات القتالية التي شرفني الله بأن انتمي إليها ..
وبين أزيز الرصاص وغبار الخنادق، وجد شهيدنا روحه مع أُولئك الأفذاذ الذين تجردوا من كل شيء، من ذواتهم، من حظوظ أنفسهم، من رغباتهم، مغبرةٌ رؤوسهم حافية أقدامهم إذا رأيتهم ذكرت الله عز وجل ...
في الليل رهبان وعند قتالهم ... لعدوهم من أشجع الشجعان
أمضى ابن الصومال جُلّ وقته بين مرابع تلك الميادين المباركة، فقد عشق الخطوط وعشقته ...
صفاته وأخلاقه:- كان رحمه الله كما حدثني الأخ أسامة الكيني:"صاحب مزاح ودعابة، كثير الخدمة لإخوانه، لا يعرف الغضب إلى قلبه سبيلا، وقد رأيته كذلك أدب رفيع وحياء جمّ، لا يحمل حقدًا ولا يقل في قلبه غبنًا .. ذا تواضع عجيب وهكذا هي حال الشهداء ...."
توالت الأيام مسرعة وعلى صيحات التكبير طرق خبر غزوة التسعة عشر موحدًا مسامع شهيدنا الذي طار فرحًا وقد استبشر بهذا الفتح المبين ...
وقد محوا معالم الضلال ... إذ أخلصوا لله في الأعمال
وأمام تلك القاصمة المهولة التي حلت بديار الصليب، أقبلت جحافل قيصر وأحاطت بذرى خراسان .. وبعد بضعة أسابيع من الجمع الغاشم دقت طبول الحرب، وتصافحت الصوارم، وانبرى ابن الصومال مع ليوث الوغى للذود عن حمى كابل ...
وبعد طول تضحيات جسام سلمت المدينة العتيدة مفاتيحها بخيانة ورثة النفاق ليرحل أبوالحسن على إثر تلك الخيانة وذاك السقوط المروع إلى خوست التي تابع منها مشوار غربته، وألقى بثقله بين رواسي شاهي كوت، ومن ثمّ تابع مشواره إلى بيرمل ..
ولم يمض كثير وقت على حلوله ضيفًا على أهالي بيرمل حتى نادى المنادي يا خيل الله اركبي، وسرعان ما لبى الغريب المهاجر الهاتف، ومضى مع الصحب الكرام إلى رواسي شاهي كوت ثانية ...
ركبوا الدياجي والسروج أهلة ... وهم بدور والأسنة أنجم
وكأن إيماض السيوف بوارق ... وعجاج خيلهم سحاب مظلم
وهناك بين تلك الرواسي الأبية كانت الملحمة الخالدة بين أبناء التوحيد وأبناء التثليث الذين دارت عليهم الدوائر وذاقوا كأس الذلة والهوان بعد ذاك النصر المزيف الموهوم في كابل، وبين الصخور العتيدة ترجل أبوالحسن عن صهوة جواده، ونعى التواضع