دارت عجلات قطار الزمان مسرعة، وبدت بوارق الهداية يلوح سناها بالأفق الداجي المظلم ... وما هي سوى أيام على ذاك السنا حتى جادت سُحب الرحمة الإلهية عليه بوابل خيرها ... فقد دعاه بعض رفقاء الخير والسداد للعودة إلى دين آبائه وأجداده، وخلع ثوب الجاهلية والتبرأ من قيمها الزائفة ... وهنا وقف حكيم حائرًا واجمًا لا يحير جوابًا وتلاعبت به رياح التردد، وبعد طول فكر استقرت السكينة في قلبه الهائج، وغدا حكيم بثوب جديد قد زانه الإيمان وعلاه بهاء الإسلام، وبعد أن قضى سنتين في خدمة الصليب الروسي مجبرًا .. تنسم شذا الحرية وأريج الفكاك والخلاص وسرعان ما ساقته خطاه ليلتقي بشيخه أبي عبدالله التتري الذي تتلمذ على كتب وأشرطة الإمام الشيخ عبدالله عزام رحمه الله ...
وأمام عفن الجاهلية المنتن الذي غلف أجواء المجتمع التترستاني، قرر عبدالله مع جماعته الناشئة الهجرة إلى دار الإسلام أفغانستان حيث ينبوع العزة ومعين الكرامة ومزارع الشريعة ..
قوض خيامك عن أرض تهان به ... وجانب الذل إن الذل يجتنب
وارحل إذا كان في الأوطان منقصة ... فالمندل الرطب في أوطانه حطب
حزم حكيم متاعه، وفوق بحور من الأشواك سارت خطاه المبعثرة ... وبعد رحلة الفيافي والقفار ألقى شهيدنا بعصا تسياره فوق رواسي طاجيكستان .. ومن هناك تابع مسيرة الأشواك قاصدًا أفغانستان ...
واخيرًا .... ، وبعد ذاك الترحال المضني حطّ الغريب القادم من بعيد رحاله في أفغانستان ...
وهناك فوق روابي الخير أبى الله إلا أن يمحص هذا المهاجر ويمتحنه فأوذي في سبيل الله وتطاول عليه مَن تطاول، صبر واحتسب ولسان الحال يردد ...
وإذا بليت بنكبة فاصبرلها ... مَن ذا رأيت مسلمًا لا ينكب
وبعد تلك الغصص التي تجرعها، وبعد تلك الدواهي التي ألمت به أذن أرحم الراحمين لقيد هذا الليث ان ينكسر.
وما أن تنسم حكيم عبير الحرية حتى التحق بإخوانه المهاجرين من أبناء يعرب، وسرعان ما شدّ رحاله إلى معسكر الفاروق الذي أعدّ فيه واستعدّ، وما أن أنهى ذاك الإعداد حتى أقفل عائدًا إلى كابل، وقبل أن يلجها بعدة ساعات كان أسود الشرى على موعد مع تمزيق كبرياء الصنم المتهاوي أمريكا وغدت رموزه حكايات تروى وصورًا تحفظ في ذاكرة المتاحف التاريخية للاتعاظ والعبرة {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ} (آل عمران: 13)
وصل الفارس المرابط كابل وسرعان ما التحق بأسود الوغى المرابطين حول ثغورها وقد امتطو صهوات جيادهم منتظرين ساعة الصفر للانقضاض على معاقل الردة والخيانة ...
جياد تعجز الأرسان عنها ... وفرسان تضيق بها الديار
وبعد أن مُرغت كرامة التثليث بالوحل والتراب وأحاط به الذل من كل صوب وحدب، أقبل بجموعه والغرور يقطر من جنباتها، ولم تمض سوى عدة أسابيع على الحشد الغاشم حتى عصفت الحرب واضطرم أوارها وانبرى أبناء الله أكبر بسيوفهم القاطعة يذودون عن حياض كابل وشاركهم شهيدنا هذا الفخر المؤثل ...
وبعد تضحيات جسام، وشلالات دماء من الأطهار تدفقت، سقط عرين التوحيد بأيدي جموع الردة وعصابات النفاق، وانحاز حكيم مع بقية إخوانه إلى خوست مجبرًا، ولم يطل بقاؤه بين جنباتها طويلًا فقد انتدبه الامير ليكون ضمن الطلائع الربانية التي أنيط بها التحرك إلى قندهار للذود عن حياضها ولكن ... ، وصوله جاء متأخرًا فقد آذنت شمسها بالأفول وسرعان ما اغتصبت مفاتيح