فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 308

وفيما ابن الجهراء غارقًا في دنياه، تائهًا بين حارات مراتع الصبا، كانت عصبة من ورثة الخير على موعد مع لقائه وعرض بين يديه مشاهد لبعض مآسي المسلمين في العراق، وهنا ثارت ثائرة ابن شمر الأبية وتفطر قلبه حزنًا على ما حلَّ بإخوان التوحيد، وعزم كل العزم بعد أن تنسم عبير الإيمان اللحاق بالكوكبة المحمدية التي سبقت الى مضارب الطعن وميادين النزال، فوق ربى بلاد الرافدين

له رأفت بالمسلمين وغيرة ... عليهم كأن المسلمين محارم

وعلى بركة الله سارت خطاه قاصدة الوالد الحاني عساه يأذن له بالرحيل الى حيث يُعبر صليل الصوارم وحده عن شموخ المسلمين وعزتهم، ولكن الأمر لم يرق للوالد الذي عاجله قائلًا"لا إذن لك يا علي"، ولكن عاشق الجهاد لم ييأس، وأعاد الكرة مرةً أخرى، وبعد كثير طلب وإصرار أذن الوالد لفلذة الكبد بالجهاد، وأمره بشد الرحال الى رواسي خراسان ...

حزم شهيدنا حقائبه، وودع زوجه وأولاده ويمم وجهه شطر رواسي أفغانستان، وبعد طول سفر ألقى بعصا ترحاله في ميناء الغرباء، ليلتحق بمجاميع جند الله، ويكون اللقاء الأول بهذا الطود الشامخ.

صفاته وأخلاقه: كان رحمه الله كما حدثني رفيق رحلته الأخ الزبير الكويتي:"حليمًا على إخوانه، رؤوفًا بهم كريمًا شجاعًا لا يهاب الردى، بكاءً قوامًا لليل، ومن عجائبه في القيام أن قام ليلةً كاملةً بعد طول سفر شاق، محبوبًا من قِبل إخوانه، وما أن سمعوا خبر رغبته القيام بعملية استشهادية حتى جللهم الحزن .. وكان رحمه الله ذا مزح لطيف ودعابة أخاذة ونكتة ممتعة ..."

ولم يمض كثير وقت على نفيره الى ميادين الجهاد، حتى ترامى الى مسامعه عبر الهاتف خبر قدوم مولوده الخامس الذي تفتقت عيناه وأبصرت نور الشمس معافًا - بفضل الله - مما ابتلى الله به بقيت إخوانه، وهنا أطلقها عاشق الشهادة مزلزلة"إن هذا من نِعم الجهاد، والله لن أرجع أبد الدهر الى مسقط الرأس".

وهناك تحت سقف أحد معاقل التوحيد كان لقاؤه الأول مع الشيخ أبي الوليد الأنصاري الذي ما لبث أن قصَّ أحدهم عليه رؤيا خير مفادها (أنه رأى فيما يرى النائم أن خوست تفتح على كنز) ، وبعد طول نظر وإمعان فكر عبرها الشيخ بقوله (إن خوست تفتح على جماجم الرجال) ولم يكن من ابن شمر سوى التضرع الى الله أن يكون من أولئك النفر الذين يفتح الله بجماجمهم مرابع خوست.

توالت الأيام والليالي مسرعة لتحط به على أعتاب يوم كريم، نَصَتَ فيه شهيدنا مستمعًا لوصية أخيه الاستشهادي أبي يوسف الكويتي - عبد الرحمن بن محسن العنزي - وعلى وقع ترانيم وصيته المؤثرة انهمرت الدموع من مقلتيه وراح يردد (والله لأنفذن عملية استشهادية) ومن ليلته تلك غدا ابن شمر انسانًا آخر تتملكه العبرات الإيمانية كلما ذُكر الله، ولطالما أبكاه صوت أبي دجانة الأفغاني وهو يردد سورة الفاتحة في كل صلاة ...

وبعد طول انتظار التقى ابو خالد بقادته وأمراء حربه وأبلغهم رغبته القيام بحملة استشهادية للنيل من ورثة الصليب النصراني، وعلى حياء ردُّوه معتذرين، وما ذاك إلا طمعًا في الاستفادة من تجربته وخبرته في فن الحرب والإدارة ..

ليث حرب أشفقت أسد الشرى منه حتى بايعته في شراها

ولكن محب الشهادة لم ييأس وأعاد الكرة مرةً أخرى، ولم يفارق ظله ظلهم حتى نال ما أراد منهم، وراح ينتظر بكل شغف موعد الرحيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت