... كذلك فإن الحملة اتجهت منذ اللحظة الأولى للغزو إلى ضرب المماليك كأفراد ونظام باعتبارهم يمثلون واجهة حكم مصر في المجال الإداري والعسكري ومن هنا كان منشور نابليون الذي طبعه على ظهر سفينة القيادة ( أوروبان ) طافحًا بالحقد على المماليك مكيلًا لهم شتى التهم متخذًا منهم واجهة للعداء وكان هذا طبيعيًا ومتسقًا مع وجهة الحملة في الحقد على من قاوموا الحملات الصليبية ، فقد كان المماليك هم الذين حطموا لويس والحملات الفرنسية الأخرى وحرروا المنطقة من نفوذ الصليبيين بعد أكثر من مائتي عام وأعادوهم مهزومين إلى الغرب .
... ولما كان المماليك هم القوة المؤثرة الوحيدة التي استمرت على الساحة خلال عمر الحملة ( ثلاثة سنوات ) تقود أعمال المقاومة لجيش الغزو ، فقد هاجمهم الفرنسيون بشراسة وإن كانت قدراتهم القتالية والعسكرية أمكنتهم من التغلب عليم فقد استخدموا حرب العصابات في المدن لتفتيت قوات نابليون وكانوا على درجة عالية من التنظيم في معاركهم ( إسماعيل عبد الله ) .
... وبالجملة فإن القول بإعلاء شأن الحملة الفرنسية ليس إلا من دعاوى دعاة التعريب والمستغربين وقد امتلأت الكتب المدرسية بفضل نفوذهم ، وجميع المراجع الصحيحة تجمع على أن الحملة الفرنسية لم تكن مصدر نهضة بقدر ما كانت عامل تعويق للنهضة الأصيلة ، والأمم لا تتجدد من خارجها وإنما تتجدد من مصادر فكرها ومن أعماق روحها ، وليس هناك إكراه على التمدن ، إن كل تمدن بالقوة فإنما معناها تمدن الأشكال دون الجوهر كما يقول شكري فيصل ، ولقد كان تأثير معاهد الإرساليات التبشيرية في سواحل الشام وبيروت ، وأنه لولا الحملة الفرنسية لاستطاع الشرق العربي أن ينهض نهضة حقيقية وإذا كانت الثورة الفرنسية قد قصدت إلى هدم وحدة الدين في الغرب فإن آثارها ومنطلقاتها في الحملة الفرنسية كانت تجري على نفس الهدف في سبيل إذاعة الفكر الماسوني الذي استشرى بعد ذلك في البلاد العربية كلها .