... كذلك فإذا نحن قرأنا رسالة جورج الثاني ملك إنجلترا إلى الخليفة هشام الثالث يشيد فيها بالرقي المادي الذي يعم بلاد المسلمين ويطلب الموافقة على تعليم عدد من الطلاب من طرف الملك جورج ( لينشروا العلم في بلاده التي يحيط بها الجهل من أركانها الأربع ) حسبما جاء في الرسالة ، هذه هي الحقيقة التي يجب أن يعرفها شبابنا المسلم: لم يكن لدى الغرب شئ ذا بال ، فماذا كان يأخذ المسلمون الذين شكلوا منهجهم العقدي والفكري قبل ترجمة الفلسفات ، فلما ترجمت الفلسفات امتحنوها وكشفوا كثيرًا من أخطائها ، ليس في الفلسفة فحسب بل وفي مجال العلم نفسه ، ردوا كثيرًا مما قاله العلماء أمثال جالينوس وغيره بعد أن وضعوه موضع الاختيار أما أرسطو فقد ردوه وفندوا أخطاءه ورفضوا بشدة مقولته في الرق ودعواه بأنه قاعدة الحضارة ، وكشفوا عن فساد نظريته في الألوهية وردوا نظريته في الثبات المطلق ، وتجاوزه بمنهج التجريب حيث كان الفكر اليوناني كله - وهو أرقى فكر في عالم ذلك اليوم - يقوم على القياس والاستدلال حيث أقام الإسلام المنهج الحسي الاستقرائي التجريبي ورد المنهج القياسي وفتح بذلك فتحًا لا يمكن تصور أبعاده ، فهو الذي أنشأ الحضارة العالمية ثم جاء التغريب ليردنا في العصر الحديث إلى أرسطو عن طريق لطفي السيد وطه حسين ليرد المسلمين الذين كشفوا فساد مذهبه قبل أن يكتشفه الغرب نفسه ، وما نرى زكي نجيب محمود وفؤاد زكريا وعاطف العراقي وغيرهم اليوم إلا راغبين في إعادتنا في ردة خطيرة إلى هذه المقولات بعد أن كشف زيفها الإمامين الكبيرين الغزالي وابن تيمية .