... أما التراث في الفكر الإسلامي فشئ آخر ، مختلف إنه ثمرة الميراث الأساسي ( القرآن الكريم والسنة المطهرة ) وهو مرتبط بها مفسرًا لها موضحًا كاشفًا فهو منها لا ينفك عنها ، فإذا أردت أن تستوضح فإن في مكتبات أوروبا وأمريكا والفاتيكان ما لا يقل عن مليون مخطوط من تراث الإسلام في شتى فنون القول ، ويقرر الأستاذ محمد إبراهيم زعروت أن مكتبة الأمويين في الأندلس كانت بعيدة الأثر في شعوب أوروبا وخاصة مكتبة الخليفتين عبد الرحمن الناصر الأموي وابنه الحكم المستنصر فقد استقطبت كل الحركات العلمية والفكرية التي بزغت في بلدان الغرب وقد شجعوا أهلها على الهجرة إلى الأندلس حتى غدت قرطبة خلال هذه الفترة مهرجانًا علميًا ، كما فاضت تجربتها على شعوب أوروبا متخطية كل الحواجز المكانية والعنصرية لتجديد العون لهذه الشعوب ودفع حركة التقدم الحضاري لشعوب الأرض .
... وقد اعترف المنصفون من المفكرين والباحثين الأسبان وغيرهم بهذه الحقيقة التي لا مراء فيها ، حتى استولى الملك فرناندو على غرناطة آخر معقل إسلامي في الأندلس عام 1492م فأصدر أمره بجمع المخطوطات الإسلامية من أيدي المسلمين وقد جمع وقتذاك مليونين من المخطوطات وتم حرقها على باب الرملة في غرناطة ، وقد شهد ( انجل حيثالت الملسنا ) مؤلف كتاب الفكر الأندلسي الذي نقله من الأسبان حسين مؤنس بأن الفضل في قيام الدراسات الطبيعية في أوروبا يرجع إلى ما كتبه العرب ( يقصد المسلمين ) الذين كانوا يبعثون بالسفراء لجلب الكتب القيمة وإقامة المراصد .
... وقد فتح الأمويون في الأندلس مكتباتهم وجامعاتهم العلمية أمام كل طالب علم يستوي في ذلك المسلم وغير المسلم ، ولم يقتصر التأثير الفكري على نصارى أهل الأندلس وحدهم بل امتد إليهم شعوب غرب أوروبا قاطبة فتأثر الإيطاليون والألمانيون والفرنسيون بمؤثرات الفكر الإسلامي عن طريق صقلية والأندلس في القرن الرابع الهجري ( العاشر الميلادي ) .