... ومن هنا فإن كل ما اتهم به هذا المشروع من قصور وما نتحقق له من عجز عن إقامة مجتمع أصيل قادر على الاندفاع على طريق التقدم هو أمر صحيح ، فقد حرص هؤلاء على أن يعزلوا الأمة الإسلامية عن مجرى تاريخها وأن يسدوا القنوات التي بناها لهم الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا وطرح أسماء جديدة قائمة على الإقليمية الضيقة ، كالأدب المصري ، والتاريخ المصري ، والتراث المصري ، علمًا بأن مصر لم يكن لها خلال أربعة عشر قرنًا من تاريخ مستقل عن الأمة الإسلامية ، فضلًا عن إعلاء شأن الفرعونية في مصر ، والفينيقية في لبنان ، والآشورية في العراق ، وبذلك تمزقت الأمة وراء تواريخ جزئية قاصرة بينما كانت الأمة تصدر عن تكامل جامع بوصفها الأمة الإسلامية الممتدة من أرخبيل الملايو إلى الدار البيضاء حيث تتوازن عناصرها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتتلاقى .
... وكان واضحًا أن أصحاب مشروع النهضة الذي طرح على العرب والمسلمين من خلال مدارس الإرساليات وبعثات المدارس التبشيرية وقيادات المستشرقين وولايتهم على تلك الأسماء اللامعة التي ترجمت كتب الاستشراق لتجعلها أساسًا لعصر جديد منفصل عن التاريخ الإسلامي يبدأ بالحملة الفرنسية ويتحرك في إطار إقليمي ، يرمي أساسًا إلى تمزيق وحدة هذه الأمة والتمهيد لتصفية الدولة العثمانية والخلافة الإسلامية وفتح الطريق أمام الصهيونية العالمية إلى فلسطين ، كان الهدف هو القضاء على الجامعة الإسلامية باعتبار ذلك منطلق حقيقي لتمزيق كل القيم والمقدرات التي عرفتها هذه الأمة من خلال العقيدة أو اللغة أو التاريخ والتراث .
... ولكن الأحداث استطاعت أن توقظ المسلمين وتكشف لهم المغالطة والمؤامرات ، ولتقرر في وضوح أن مشروع النهضة المغرب قد أعلن إفلاسه ، وأن الإسلام لم يشترك في قيادات الهزيمة والنكبة والنكسة حتى يتحمل أوزارها .