... ثم كانت الموجه الثانية: وهي أنه بعد أن استقر في الأذهان هذه المغالطة الشديدة أن يحي كتاب من أبناء جلدتنا يتكلمون بألسنتنا ( حسبما يشير الحديث الشريف ) ليقولوا مدعين أن الفكر الإسلامي يتمثل في ثلاثة عناصر: أولهم: هذا الفكر الفلسفي اليوناني المتعلق بالمنطق والاعتزال والكلام ويطلقون عليه ( البرهان ) ، و ثانيهم: فكر التصوف الفلسفي المتصل بوحدة الوجود والحلول والاتحاد والنتائج والتناسخ وغيره ويطلقون عليه اسم ( العرفان ) ثم يضيفون الشريعة الإسلامية على أنها الجزء الثالث وهي التي ينظرون إليها في ازدراء شديد لأنها تمثل الضوضاء ( أولًا ) قديمه وثانيًا ( جامدة ) وثالثًا: لا تتقبل التطور ثم تطبق عليها مفاهيم العلمانية والتفسير المادي للتاريخ ونظرية النسبية وكلها محاولات للقول بأن العصر لم يعد قادرًا على تقبل مناهج قديمة وضعت لعصور سابقة أو على الأقل استنفدت أغراضها وهكذا يعلون من شأن العرفان والبرهان وهما اللذان يمثلان ما رفضه الإسلام أساسًا من الفكر اليوناني الوافد المستمد من ( علم الأصنام ) والذي كشف الإمامان الغزالي وابن تيمية فساده وضلاله ، ولم يقبله علماء المسلمين منذ اليوم الأول ، والذي جاءت الشريعة الإسلامية الخالدة بمنهج رباني أصيل يقوم على قاعدة ( الثوابت والمتغيرات ) ، ويرسم للإنسانية الطريق الصحيح من خلال قيم أساسية هي بمثابة الضوابط والحدود الأصيلة لحركة الإنسان والمجتمعات ثم يفسح الطريق إلى المتغيرات من داخل حركة الثوابت بحيث تستطيع الإنسانية أن تقبل كل جديد وأن تواجه متغيرات الأزمنة المتتالية والبيئات المختلفة .