... ولا ريب أن مفهوم"الجهاد"في الإسلام هو فريضة أساسية لا تختلف في أي زمن على عدة عوامل أهمها المرابطة في الثغور والقدرة على الردع وحماية الكيان واسترداد الأرض الإسلامية المحتلة من قبل العدو .
... ويتمثل المفهوم الإسلامي في"الوسطية": ووسطية الإسلام تختلف عن وسطية أرسطو التي تقول بأنها الفضيلة بين رذيلتين أو موقف بين نقيضين ، وكأنها نقطة رياضية في الوسط لا علاقة لها بالنقيضين ، وهذا يخالف معنى الوسطية في الإسلام فهي عندنا تمثل موقفًا ثالثًا يختلف عن النقيضين ولكنه غير مستقل عنهما ، فالموقف الوسطي هنا يجمع ما يمكن جمعه من النقيضين ، فالكرم وسط بين البخل والإسراف ولكنه ليس مغايرًا للصفتين وإنما فيه من تدبير البخل وعطاء المسرف .
... وهنا يأتي التميز للوسطية الإسلامية في نظرتها لمكان الإنسان في الكون ، فهو ليس الحقير المنبوذ كما تصوره بعض الأديان البشرية أو الفلسفات الوثنية الهندوكية والبوذية وليس سيد الكون كما تصوره الحضارة الغربية المادية وإنما هو المستخلف في الأرض الذي فضله الله تبارك وتعالى عن كثير مما خلق تفضيلا .
... لقد كان الإنسان في التراث الهندي القديم هو الحقير الفاني الذي لا خلاص له إلا باختصار المادة وتعذيب الجسد وإدارة الظهر للدنيا وهي مذاهب تسللت إلى فكرنا الإسلامي تحت تأثير التصوف الفلسفي ، أما الفكر الغربي فيرى الإنسان سيد الكون لدرجة أن الهلينية الجاهلية اليونانية قد جعلت الأبطال آلهة وأطلقت العنان لحريته حيث يحل الحرام ويحرم الحلال ويقهر الطبيعة ، وكانت الحضارات الكبرى السابقة للإسلام: اليونانية والرومانية والفارسية والهندية تؤمن بالتفرقة بين الإنسان السيد الجالس في الأعلى والعبد المتعبد الرقيق الذي ليس له أي تقدير أو حساب حتى قيل إن العبد إذا أصبح سيدًا فيظل عبدًا وإن السيد إذا صار عبدًا فيظل سيدًا .