... كانت محاولة الفكر البشري في العصر الحديث بقيادته الخطيرة من الفلاسفة الماديين والعلمانيين وخصوم الدين المنزل جملة من أخطر المؤامرات التي حاصرت البشرية وزلزلت عقيدتها في الإله الواحد وفي الإيمان بالغيب والبعث والجزاء ، وما تزال هذه المحاولة منذ بدأت أولى حلقاتها بالخلاف الذي وقع في أوربا بين رجال الدين وبين العلماء التجريبيين فاستحدث محاكم التفتيش واضطهاد ومحاكمة الذين قدموا حقائق ومفاهيم تختلف عما في الكتب المقدسة ( التي كانت في الحقيقة مما كتبه الأحبار والرهبان ولم يكن من الحقائق التي جاء بها الدين الحق والتي لم تكن في الواقع مما تختلف مع الوقائع الصحيحة ) .
... ولقد كان من نتيجة هذا الصدام الشديد بين رجال الدين وبين العلماء التجريبيين آثاره البعيدة والخطيرة والتي شكلت مع الزمن ومع توالي الأحداث هذه الصورة الخطيرة الموجودة اليوم من سيطرة الإلحاد والعلمانية والإنكار الخطير لرسالات السماء والاستعلاء على الدين بصفة عامة ، واندفاع الفكر البشري إلى مراحل خطيرة وآفاق عنيفة ، وقيام دعاوى تنكر وحي السماء جملة وتعمل على إقامة دين بشري ومنهج حياة يستغني جملة عن ( الدين ) بل ويصل في المغالاة إلى حد القول بأن البشرية أصبحت اليوم غير محتاجة إلى وصاية السماء بعد أن نضجت ، وهو ادعاء زائف مغرور .
... ذلك أن ما قدم للناس باسم الدين في الغرب والذي قامت عليه معركة الصراع بين رجال العلم وبين الكنيسة لم يكن هو الدين الحق المنزل على سيدنا عيسى عليه السلام ، وإنما كان ذلك التصور الذي تشكل في عصر تالٍ على يد القديس بوليس والذي تجمع كل المصادر على أنه وضع روعي فيه التقريب بين المسيحية المنزلة وبين أديان روما والغرب الذي عبرت إليه الديانة المسيحية وأنه أخذ الكثير من العقائد التي كانت قائمة في ذلك الوقت في أوربا وفي روما بالذات .