... لقد كانت تلك القوى المتربصة بالإسلام تعمل في مختلف ميادين التعليم والثقافة والصحافة لتفرض مفاهيمها وقيمها وتدمر كل مقومات الفكر الإسلامي الحقيقية في مجالات القانون والسياسة والاقتصاد والاجتماع وتحتويها في دائرة مغلقة تتنكر للدين المنزل بالوحي وكل ما يتصل به من غيب وقيم وحقائق في سبيل إعلاء النظرية المادية العلمانية التي ظنوا أنها قادرة على احتواء العقل الإسلامي والوجدان الإسلامي وحسبوا أنهم قادرون على فرض الليبرالية أو الاشتراكية أو القومية ( وهي نظم وضعها الغرب لنفسه في وجه تحدياته الخاصة ) وإنها ليست أيديولوجيات عالمية ، ولذلك فقد عجزت حين طبقت في عالم الإسلام أن تحقق عجزًا كاملًا عن العطاء ، لأن المجتمع الإسلامي كان قد عاش ثلاثة عشر قرنًا قبل سيطرة النفوذ الأجنبي عليه من خلال منهج رباني جامع ، ومن هنا فإن هذا المنهج الوافد الذي فرض على المسلمين إبان مرحلة الاستعمار التي لم يكونوا خلالها يملكون إرادتهم لا يمكن أن يصبح لزامًا أن يخضعوا له مدى الحياة ، وأن من حقهم متى استطاعوا أن يعودوا إلى طريقهم الأصيل الذي تجاوزوه رغم إرادتهم قرنًا من الزمان ، ولقد فرضت على أمم كثيرة أوضاع سياسية واجتماعية في ظروف احتلال أو تسلط قاهر ، ولكن ذلك لم يكن ملزمًا لها أن تظل مدى الحياة مستعبدة لهذا الوضع المؤقت ، ولا ريب أن أزمة الأمة الإسلامية كلها في تخلفها وضعفها هي من الأمور العارضة التي حذرها منا منهجها القرآني ودعاها إلى المرابطة والإعداد والقدرة الدائمة على الردع حتى لا تتعرض للسيطرة والاحتواء ، ولكن أن يحاول بعض دعاة التغريب أن يصور الأمر على نحو زائف بأن الوضع السياسي والقانوني الذي خضع فيه العالم الإسلامي للقانون الوضعي هو الأصل ، وأن المحاولة التي تجري الآن هي تصحيح الوجهة عملية مشتبه فيها يرمي القائمون بها بأنهم يدعون إلى الارتداد للماضي أو الانسحاب من العصر ، وها هو كذلك فليس