... إن الذين يرون أن الأمة الإسلامية في هذه المرحلة التي تتنامى فيها الصحوة الإسلامية تمر بأزمة إنما يقصدون ( أزمة التغريب ) أزمة تراجع الغزو الثقافي إزاء الأصالة الإسلامية حين عادت الأمة الإسلامية إلى ربها وعرفت أن منهج الله تبارك وتعالى هو وحده الذي يخرج هذه الأمة من التبعية والتخلف والحصار الذي يراد بها التقوقع في دائرة مغلقة حتى تسقط .
... ولقد ظنوا أن تلك المرحلة الاستعمارية التي سقطت فيها الأمة الإسلامية حين فرضت عليها مناهج القانون الوضعي ومفاهيم التبعية والفلسفات المادية خلال قرنين كاملين ، هي تحول قد قبلته ورضيته ، فلما رأوا أن الأمة الإسلامية تتجه اليوم إلى امتلاك إرادتها وإقامة مجتمعها وتطبيق شريعتها وتبليغ رسالتها إلى العالمين أدهشهم ذلك وعجبوا لهذا التحول وأخذوا يتحدثون عن المراحل الماضية من التبعية كأنما كانت تطورًا حقيقيًا في نظرهم غافلين عن قدرة الأمة الإسلامية على مواجهة الأزمات والعواطف والتي تبدو في أول الأمر كأنها قبول للمغايرة ، ثم لا تلبث أن يتكشف جوهرها الحقيقي القادر على التماس الأصالة والعودة إلى المنابع .
... ولقد كان الإسلام بوصفه المنهج الرباني الأصيل قادرًا على استعادة المسلمين إلى طريق الحق إذا انحرفوا عنه ، وكان دائمًا قادرًا على رفض العضو الغريب متقبلًا لما يتفق مع منهج التوحيد الخالص وقادرًا على حماية هذا الذي يتقبله في دائرة وجوده الأصيل ( من خلال دائرة المتغيرات مع بقاء دائرة الثوابت قائمة ) .
... ولقد كان الإسلام على مدى أربعة عشر قرنًا قادرًا على تقبل عصارات الثقافات والحضارات التي تتفق مع منطلقه ومضمونه بوصفه منهج التوحيد الخالص ، وكان في نفس الوقت قادرًا على العطاء ولكنه لم يكن في يوم من الأيام مبررًا لأخطاء الحضارات أو مدافعًا عن انحرافها أو منصهرًا في دائرتها .