... وهكذا انطلقت كثير من أطروحات الجامعات في عدد من البلاد العربية ، وكان لابد أن تحشد لها حشد كبيرًا على النحو الذي قاد فرع منه العابدي وأركون وغيرهم في المغرب ، وأدونيس وجماعته في المشرق لكل منهم ميدانه ، ولكن الهدف واحد والمقولة واحدة ، فإذا كانت دعوات الشعوبية والباطنية والأحزاب الإقليمية المغرقة في إحياء تراث غشروت وغيرها قد عجزت أن تظهر واضحة مريحة فقد ارتضت لنفسها أن تختفي وراء الشعر واللغة ، والرمزية والمجاز .
... وإذا ذهبنا ننظر في أمر الثابت والمتحول فأي عقل سليم يقبل هدم الثوابت التي أقامها الإسلام من عقيدة وفكر وأخلاق ونظام اجتماعي واقتصادي فيحيى المتحول الذي هو المرفوض من تراث المسلمين وما دخلت عليه زيوف الفساد الفلسفي اليوناني والفارسي سواء نظريات علم الأصنام الإغريقية أم الفكر الغنوصي الشرقي حتى يباح ما لا يباح وحتى يسقط التكليف وينفتح باب الشر والفساد والإباحة على آخره .
... لقد أدخل مفهوم الحداثة كل الحركات الثورية السياسية والاجتماعية التي حاولت تدمير النظام الإسلامي بدءًا من الخوارج وانتهاءً بثورة الزنج ومرورًا بالقرامطة والحركات الثورية المتطرفة الرافضة ويدخل في هذا المفهوم كل الحركات المتمثلة في الاعتزال والإلحاد والتصوف الفلسفي .
... وتمثل الحداثة على حد تعبير الدكتور هدارة: تدمير القداسة ومقاربة الخطيئة ، صور هذا أدونيس في قصيدته ( زنقة الخطيئة ) ناسفًا كل علاقة تربط بينه وبين التراث ممجدًا الخطيئة أو الصاعقة التي تنتهك القداسة منكرًا سلطة الدين ماحيًا العقيدة والثواب ناظرًا للألوهية بفكر باطني فضلًا عن عبارات جريئة في الحديث عن الحق تبارك وتعالى وتنكر للجنة والنار .
... وإذا كان أودنيس يمجد أبو نواس ( شاعر الخطيئة ) ويزدري بشوقي شاعر نهج البردة ، فإن هذا موقف مخرب ، لا يمكن أن يقبله إلا أولئك المغرورون الذين لا يعرفون شيئًا عن دينهم ووطنهم وتاريخهم .