... وإذا كان هذا كله جزء من معركة قامت في أوربا ، وتقررت فيها هذه المفاهيم فإن ذلك لا يمكن أن يكون صحيحًا بالنسبة للإسلام الذي يمثل منهجًا مختلف تمامًا بوصفه دينًا متكاملًا جامعًا بين العقل والقلب والروح والمادة والدنيا والآخرة .
... وقد نقلت هذه المعركة بكافة أبعادها إلى محيط الفكر الإسلامي ظلمًا وعدوانًا فالإسلام أساسًا لا يفرض أي قيد على العلم التجريبي ، بل هو مصدره ومعينه ، كما أنه لا يقر مفهوم ( الدولة الثيوقراطية ) التي قامت في الغرب ولا يقر مفهوم ( رجل الدين ) بل يقر مفهوم عالم الدين الذي لا صلة له بالنظم والحكم ، ولم يعرف الإسلام هذا النظام الذي عرفه الغرب خلال تاريخه كله ، كذلك فإن الإسلام لا يعرف الصراع بين الإله والبشر الذي ورثه الغرب من حضارات اليونان ، ويقر مفهوم إسلام الوجه لله ويرفض التجسيم وفلسفات الفيض والعقول العشرة كما يرفض وحدة الوجود والحلول والاتحاد والتناسخ والزفانا ، كما يقف موقف الحماية للذات والكيان الخاص الذي شكله الإسلام خلال خمسة عشر قرنًا فلا يقر مفهوم وحدة الحضارات أو وحدة الثقافات التي من شأنها أن تصهر الأمم الضعيفة أو المغلوبة في أتون الحضارة العالمية المعاصرة .
... ويعترف الإسلام للعقل بمكانته وأنه أساس التكليف ، ولكنه لا يقر مفهوم الغرب في تقديس العقل أو إفراد العقل بالنظر ، إذ تقوم المعرفة الإسلامية على التكامل بين العقل والروح من ناحية وبين الثوابت والمتغيرات من ناحية أخرى .