وقد فتح الإسلام بمفهومه الجامع ومنهجه المتكامل آفاق النظر في الكون والسعي في الأرض والعمران والحضارة ومن آيات القرآن الكريم انطلق علماء المسلمين إلى إنشاء المنهج العلمي التجريبي ، وإقامة منهج المعرفة ذى الجناحين ( الروح والمادة ) .
... ولما كان الإسلام هو الذي فتح أمام المسلمين أبواب العلم والتجريب فإنه لم يقف ضد حرية البحث ، بل كان لها قائدًا ودافعًا ، وقد أقام نظامًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا مرنًا قادرًا على العطاء في كل العصور ومع كل البيئات ، وقد أضاء هذا النظام العالم كله خلاف أكثر من ألف عام من حدود الصين إلى حدود نهر اللوار وأقام حضارة عظيمة واستطاعت أوربا في عصر النهضة أن تأخذ به وتقيم مجتمعها المعاصر .
... ومن هنا يقرر أن مفهوم الدين في الغرب يقوم على أساس مفاهيم الفكر الإغريقي والفكر الروماني والمسيحية الوافدة من الشرق ( وهي غير الدين المنزل على السيد المسيح ) ولما كانت أوربا قد وجدت المسيحية ( الغربية ) منهجًا لاهوتيًا خالصًا فقد أقامت لنفسها منهجًا اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا وضعيًا ، قام بوضعه الفلاسفة والمفكرون ، وهو الذي أقام النظام الليبرالي المعاصر وعنه انشقت الاشتراكية والماركسية ، وحين قامت عوامل الخلاف بين الكنيسة والعلماء في الغرب كان ذلك عاملًا خطيرًا في رسم صورة الدين الذي وضعت على أساس حصاره وتجاوزه فنشأت المذاهب والدعوات التي قامت على أساس إقامة دين وضعي ، أو الاستغناء عن الدين كلية تحت اسم أن البشرية قد بلغت الرشد ولم تعد في حاجة إلى وصاية السماء ، وقامت الدعوات التي تتهم الدين بأنه سبب التأخر والانحطاط ، وأن الوسيلة الوحيدة للارتفاع والتقدم هي الانسلاخ من الدين وإبعاده عن مجال الحياة وإلغاء سيطرته على أي مفهوم من مفاهيم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ونشأت شبهة القول بأن الدين - بمفهوم الغرب - يتعارض مع النظر العقلي .