وانتقل نبي القرآن إلى المدينة، وهناك باشر سلطاتِ رئيس الدولة؛ من حكمٍ بين الناس، وعقدٍ للمعاهدات، وتوجيهٍ للمصالح العامة، وقيادةٍ أو بعثٍ للجيوش هنا وهناك!
وظل القرآن ينزل عشر سنين أخرى، الكَتَبة يسجلون بإشراف الرسول عليهم، والحَفَظة يَختزنون العلم في صدورهم، وما يُكتب ويُحفظ تُعاد تلاوته في الصلوات الخمس، في قيام الليل، في مجالس التلاوة، في خُطب الجمعة، الأفراد والجماعات مُقبلة على قراءة الكتاب العزيز!
وكانت مكانة المرء تعظُم بمقدار إقباله على القرآن، وكان النبي يرعى هذه المكانة حتى عند دفن الشهداء، فهو يُقدِّم في اللحد أكثرهم أخذًا للقرآن!
حكومة قائمة ترى القرآن دستورها ومنارها، فهي تحفظه وتحافظ عليه، وترسل الوفود به إلى الآفاق، من أين يتطرق الريب إلى كتاب هذه بيئته الأولى!
أمة تعبد ربها بفقه كتابه وتجويد حروفه، ودولة بكل أجهزتها تَصون وتَحمي، ما عرَفت الدنيا من بدء الخليقة مثل هذا الصَّون لكتاب من الكتب!
ومضت دولة النبوة، ثم جاءت دولة الخلافة الراشدة، ورجالها هم السابقون الأولون في اعتناق الإسلام وحفظ آياته وكتابة مصاحفه!
وظلت هذه الدولة ثلاثين عامًا شرَّق فيها الإسلام وغرَّب، وأُثِر عن جيوشها أنها كانت لا ينتهي له هَدير بالتلاوة آناء الليل وأطراف النهار!
ومضت دولة الخلافة، وجاءت دول أخرى كثيرة فماذا حدث خلالها للقرآن؟
كان تواتره يمتد ليشمل أجيالًا أخرى، وكانت مصاحفه تملأ المساجد والعواصم والدور والقصور، وصدق الله العظيم: (إنا نحن نزَّلنا الذكرَ وإنا له لحافظون) (الحجر: 9) .
سأضرب مثلًا لشرح ما أقصد وإن كنت على وَجَلٍ من ضربه واستحياءٍ:
لقد وضعت الولايات المتحدة لها دستورًا بعد حرب الاستقلال، تضافر الأمريكيون حكومة وشعبًا على دراسته وتنفيذه، فهل يمكن القول بأن هذا الدستور حُرِّف وشُوِّه؟