فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 566

45 ـ لماذا كانت المذاهب الفقهية المعمول بها أربعة؟ وما ضرورتها؟

أئمة الفقه الإسلامي المشهورون أربعة، وقد كانوا قديمًا ضعف ذلك مرة أو مرتين، بيد أن الذين رسَخت مكانتهم وخلَد ذكرهم أولئك الأربعة الكبار، أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل!

أكان ذلك لمصادفات عارضة أم تمَّ وَفْقَ سنة البقاء للأصلح؟

لا تَعنيني الإجابة، وإنما يَعنيني القول بأن أولئك الرجال الأربعة كانوا قممًا في التقوى والمعرفة والنصح للأمة، وإقصاء مشاعر الرغبة والرهبة مع كل حاكم مهما امتدت دولته وعَظُمت سلطته.

والخلاف الفقهي أول أمره كان علامة صحة، ولا ضير من بقائه إلى آخر الدهر ما دام لا يعدو حدوده! وحدوده هي دائرة الأعمال الفرعية.

أما ركن الدين، ومعالم الإيمان، ودعائم الأخلاق، ومعاقد الشريعة، فهي موضع اتفاق بين خاصة المسلمين وعامتهم.

والذي ضخم الخلاف الفقهي وشغل الناس به على نحو مستَهجَن أمران:

أولهما: جهل الغوغاء، وفرح الواحد منهم بحكمٍ عرَفه، ومغالاته به. كما يقول الناس في مصر"الكعكة في يد اليتيم عجب"ولذلك ترى هؤلاء يقدمون فقه المضمضة والاستنشاق على رعاية العهود والأمانات! وهذا ضلال مبين.

والأمر الثاني: طول أجل الفساد السياسي في تاريخنا. فقد أخرس الألسنةَ عن الكلام في الفقه الإداري والدستوري والدولي وضمانات الشورى والمال العام، وأغرى أهل البطالة بالثرثرة المُمِلَّة فيما وراء ذلك، حتى جعل جماهير تهتاج لقضية"وضع اليدين"في أثناء الصلاة ولا تتحرك بقوة لضربِ الاستعمار المغِير ومحوِ الأسباب التي جلبته.

ولو تعاون المسلمون على تنفيذ ما اتفقوا عليه ـ وهو لب الدين وجمهرة تعاليمه ـ لكان الخلاف فيما وراءه شيئًا لطيفًا وطريفًا، ومصدرَ تراحم لا خصام.

والأئمة الأربعة كما أسلفنا القول رجال كبار، لكنهم ليسوا معصومين، ولا فرض أحدهم نفسه على الأئمة، ولا كُلِّفنا شرعًا باتباع واحد بعينه منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت