16ـ ما حكمة الحج؟
ولماذا كان الطواف حول الكعبة، وهي بناء من حجر؟
سمعت أحد الدُّعاة يقول: إن الله كلفنا بما نعقل فأطعنا، فأراد أن يَبلُوَنا بأفعال الحج ليرى أنطيعه فيما لا نعقل أم نعصيه؟
قلتُ له: هذا كلام رديء، وأفعال الحج ترتبط بحِكَم لا ينكرها العقل، وقد شرحتُها في موضع آخر ولا بأس من إعادتها هنا.
إن الأمم تُغالي بكثير من ذِكْرياتها، وتَقرِن به مشاعر نفسية واجتماعية بعيدة المدى، وقد رُبط النصارى بقبر المسيح وطريق الآلام، كما يقولون، وربط اليهود أنفسهم بحائط المبكى، وأسسوا عليه حقوقًا ما أنزل الله بها من سلطان! فلماذا نستغرب من المسلمين أن يرتبطوا بأماكنهم المقدسة ارتباطًا يبدو عندما يُدرَس أقربَ إلى الرشد وأبعدَ عن الوهم؟
الكعبة هي البيت الحرام الذي بُني لتُقام فيه وعنده الصلوات لله وحده، وقد قيل لإبراهيم وهو يؤسسه: (لا تُشرِكْ بي شيئًا وطهِّرْ بيتيَ للطائفين والقائمين والرُّكَّعِ السجودِ) (الحج: 26) .
وهذا المسجد الحرام ـ أعني الكعبة ـ هو أول مسجد بُني في الدنيا لتوحيد الله ونبذ الشركاء، وتمحيض العبادة لرب العالمين.
أليست لهذه الأولية حقوق؟
بلى، وطليعة هذه الحقوق ألاّ يُشادَ مسجد في العالم إلا اتّجه إليه وشارَكَه غايته في التوحيد الخالص!
وكذلك من هذه الحقوق المُقرَّرة أن ينبعث كل قادر ليزور هذا المسجد الذي أصبح قبلته حيًّا وميتًا!
هذه المعاني هي التي ذكرها القرآن الكريم في أثناء الحديث عن هذه الكعبة: (إن أولَ بيتٍ وُضِع للناسِ للَّذي ببَكّةَ مبارَكًا وهدًى للعالَمين) (آل عمران: 96) (وللهِ على الناسِ حِجُّ البيتِ مَن استطاع إليه سبيلًا) (آل عمران: 97) (فلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبلةً تَرضاها فَوَلِّ وَجهَك شَطْرَ المسجدِ الحرامِ وحيثُما كنتُم فولُّوا وجوهَكم شَطْرَه) (البقرة: 144) .