فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 566

34 ـ هل الاستدلال القرآني في قضية الألوهية على الوجود أم على التوحيد؟

إن الطفل الذي يُودَع في أحد الملاجئ قد يفكر في أبيه عندما يَكبَر، وقد يبحث عنه، ولكن لا يجري في خاطره أبدًا أنه جاء الدنيا من عدم، أو ظهر على الأرض من غير أب.

والبشرية في أغلب العصور بحثت عن ربها وفكرت فيه، وربما أخطأت الطريق إليه، فقد تعبُد اسمًا لا حقيقة له، وقد تعبُد حجرًا موهومَ الضر والنفع، وقد تعبُد عجلًا، أو تقدِّس بقرة، أو تؤلِّه نهرًا، وقد يجيء مَن يرفض هذه الآلهة المزعومة كلها وينكر أن يكون للوجود سيدٌ!

إن قضية الألوهية في التاريخ الإنساني يكتنفها قدر من الغموض، وجمهرة الأمم رَنَت إلى إله كبير، ثم رَمَزت إليه أو تَعَرفت عليه عن طريق التماثيل، أو الكائنات التي تنتمي إليه على نحو ما.

ويُخيَّل إليَّ أن رفض عقيدة الألوهية من الأساس لم ينجُم إلا بعد شيوعِ التدين الخرافي ورفضِ العقل السجودَ لحجر أو حيوان أو إنسان.

وكان هذا الرفض المطلَق يقع على نُدرة، ثم شاع في عصرنا الحديث مع التقدمِ العلمي، وانتشارِ تديُّن مغشوش، وخيانةِ المسلمين لرسالتهم فما بلَّغوها ولا أنصفوها.

وحديث القرآن الكريم عن الألوهية يتسم بالوضوح الشديد، فهو ينفي الشركاء بحدة وحسم، وينفي أن يكون هناك أحد فوق مستوى العبودية لأن له بالله صلةً خاصةً، لا، هو إله واحد وكل ما عداه عبد له: (إنْ كلُّ مَن في السماواتِ والأرضِ إلا آتِي الرحمنِ عبدًا. لقد أحصاهم وعدَّهم عدًّا. وكلُّهم آتيه يومَ القيامةِ فردًا) (مريم: 93ـ95) .

وخلال الحديث عن الوَحدة، وكشف الحجب عن أمجاد الإله الحق وأسمائه الحسنى وأوصافه العلى، تتشعَّب الدلائل لتسحق كل تفكير قد يَعرِض عن استغناء العالم عن ربه وقيامه بنفسه.

أي إن شرح حقيقة التوحيد في الأسلوب القرآني يمحو آثار الإلحاد، وينفي شبهات الملحدين، وبذلك تتعانَق أدلة الوجود الأعلى وأدلة التوحيد المطلق في نسق فذٍّ‍!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت