48 ـ ماذا عن تجديد الفكر الديني في الإسلام؟
جرت على الألسنة كلمة"تجديد الإسلام"وظن البعض أن المقصود منها ترقيع ثوب لَحِقه البِلَى أو تحريك آلة أدركها العطب! وقد يتطلب ذلك إهمال شعبة من شعب الإيمان، أو التجاوز عن حد من حدود الله، أو إرخاص الماضي غرورًا بالحاضر وتمشيًا مع المدنية الحديثة!
وهذا كله لا يَخطِر ببال مسلم، ولا يفكر فيه إلا لَصيق بديننا لا يدري عنه شيئًا!
إن التجديد المنشود حماية الأصل مما عرَاه وتنقيته مما شابه وعكَّر رونقه، إنه غسل الثوب حتى يزول عنه القذى، أو إزالة الغبار عن صورة غطى الإهمال ملامحها.
قلت في أول كتاب الفقه من نحو أربعين عامًا:
"... إن حقائق الدين من منابعه الفريدة ما إن أخَذَت تسير في مجراها من هذه الحياة حتى عَلِق بها من رواسب البيئات، ومُخَلَّفات القرون، وجهالات العامة، وشهوات الخاصة، ونزوات الحكام ما ذهب بالكثير من نقائها وصفائها، حتى لتُشبه ماء النيل في مجراه الأدنى؛ لا يصلح للشراب إلا بعد مجهودات متعاقبة من التنقية والتصفية ترده سماويًّا كما كان"!
هل إمداد الناس بالمياه النقية يضيف شيئًا إلى جوهرها الأصلي؟
لا، الأمل كله أن يعود الماء كما نزل من السماء. وأملنا في تجديد الإسلام قريب من عملنا في تنقية مياه الشرب.
وقد نبه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى جلال هذا العمل عندما قال:"يَحملُ هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدولُه، يَنفُون عنه تَحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطِلين، وتأويلَ الجاهلين".
والكلمات الثلاث فيها من إعجاز النبوة المحمدية ما يَبهَر ويَسحَر!
قديمًا رأينا عبّادًا غُلاة يكرهون الحياة، ويقررون عدم الزواج، وصيام الأبد، وقيام الليل، وهجر النوم، ثم رأينا كيف تعلموا الاعتدال وتركوا الغلو.