وقديمًا رأينا من يضع الحديث في فضائل السور، فإذا قيل له: كيف تفعل هذا والرسول يقول:"من كذَب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأْ مقعدَه من النار"؟ فيقول: كذَبت له ولم أكذب عليه!
هذا لون مفضوح من انتحال المبطلين، ومثله كل ابتداعٍ في الدين وخُلُقٍ لتقاليد رديئة كبلت الأمة وأقعدتها في عالم يجري كالريح المرسلة.
أما تأويلات الجهلة فما أكثرها في تاريخنا القريب والبعيد! وآخر ما وقع في يدي كتاب لمؤلف من الجزيرة العربية زعم أن به نيِّفًا وأربعين دليلًا على أن الأرض واقفة والشمس هي التي من حولها تدور.
ونظرت في هذه الأدلة فإذا هي تفاسير خاطئة لأكثر من أربعين آية قرآنية، مال بها الكاتب المسكين عن وجهتها ليُشعِر الناسَ بأن الإسلام والعلم الحديث خصمان لا يتفقان!
والواقع أن حركات التجديد والإصلاح تخبو أو تضيء وتكبو أو تمضي بمقدار موقفها من هذه الآفات؛ تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين!
ولما كان تجديد الإسلام عودًا إلى الأصل النازل من السماء، فإن المثل الأعلى والقدوة الصالحة لا يؤخذان إلا من سيرة محمد وصحبه.
إن محمدًا ـ عليه الصلاة والسلام ـ والرجال الذين جمعهم حوله ورباهم على يده هم وحدهم الذين يمثلون الإسلام الحق، وهم أفضل القرون وأجدرها بالاتباع.
وقد وقع انحراف عن خطهم، وبدأت زاوية الانحراف تتسع أضلاعها بمر الزمان.
فإذا جاء اليوم من يريد العودة إلى القرن الماضي والقرن الذي سبقه، فهو لا يزيد الأمة إلا خبالًا، ولن يصنع شيئًا أكثر من مد زاوية الانحراف، وتوسيع الشقة بين الصراط المستقيم ومواريث العِوَج التي نشكو منها، والتي انتهت بنا إلى أن صرنا في مؤخرة العالم.
إن سوءات الحكم الفردي في مطالع القرن الخامس عشر هي هي سوءات الحكم الفردي خلال القرن الثالث عشر، وقرون كثيرة قبله.