2ـ لماذا كان الإسلام خاتم الأديان؟
الإسلام هو العلاقة الوحيدة بين الناس وربهم منذ بدأت الخليقة وتكونت للبشر مجتمعات. ونستطيع القول: إن القرآن حوَى جملة التعاليم التي بلَّغها الأنبياء الكبار ـ أعني أولِي العزم وحملةَ الرسالات المهمة ـ فلو كان موسى أو عيسى موجودَين لاكتَفَيا بما قال القرآن في ترسيخ العقائد وتأديب الأمم. أما الشرائع الجزئية فإن التفاوت فيها ليست له قيمةٌ كبيرة.
والإسلام الذي بلَّغه محمد وأخذ الناسَ به هو الصورة الأخيرة للوحي الأعلى، وهو كذلك الصورة العامة التي تستغرق الأجناس كلها، وتتناول الأجيال التي تسكن الأرض حتى قيام الساعة.
النبوات السابقة كانت كلها محلية مؤقَّتة؛ أي محدودة الزمان والمكان.
أما النبوة العامة الخالدة فهي نبوة محمد وحده، لا يَشْرَكُه في ذلك نبي من السابقين.
وعلة ذلك أن الإسلام بعدما زوَّد الإنسان بالوصايا الأخيرة للوحي الإلهي، وَكِلَ إلى عقله أن يتحرك ويشُقَّ طريقه، ويستغلَّ قدرته على الفهم والحكم وتعرُّف الصواب والمصلحة.
فانتهاء عصر الوحي هو ابتداء عصر العقل، وقد شرحنا ذلك بتفصيل في كتابنا"فقه السيرة".
إن نبي القرآن ـ عليه الصلاة والسلام ـ أرسى دعائم العقيدة والعبادة والخلُق، وساق نصوصًا حاسمة تَضبِط سيرة المرء وتقاليد الجماعة، وهذه أسس وتوجيهات لا تختلف باختلاف العصور، ولا يمكن اختراق أسوارها.
أما ما وراء ذلك من شئون ـ وما أكثره ـ فموكول إلى العقل الإنساني يمحو فيه ويُثبت.
في ميدان العلوم والأنشطة الأرضية وشئون الحياة المَدَنِيَّة والأطوار الحضارية يُقَدِّر العقل على الحركة دون قَيْد يضعه الدين. وفي كل المجالات التي تتحدد فيها المبادئ وتتحرر الوسائل يستطيع العقل أن يتصرف دون عائق.
فالشورى مثلًا مبدأ ديني لمنع الاستبداد السياسي، ومنع عبادة الفرد، وتمكين الأمة من فرض رقابتها على ما يعنيها.
والعقل له أن يضع من الدساتير ما يحقق هذه الغاية.