22ـ ما معنى أن الله جعل المسلمين أمةً وسطًا؟
قالوا من قديم: أن الفضيلة وسط بين رذيلتين. وسواء اضطَّرد هذا القول أم لم يضطَّرد فإن الحقيقة تضيع بين الإفراط والتفريط، والناس يعانون كثيرًا من الغُلُوِّ الشديد والإهمال البارد.
وعندما ظهر الإسلام كان اليهود معروفين بالحِرْص على الحياة والحب القوي للمال، وطلبه من الربا ومن وجوه السحت الأخرى، وكان المسيحيون يَرَوْنَ التقوى في الرهبانية والزهد واحتقار المال، حتى قيل في كتُبِهم: لأن يلج الجمل في سم الخيال أقرب من أن يدخل الغني ملكوت السماوات!
وجاء الإسلام فرفض المسلَكَيْنِ، وعدَّ المال وسيلة لما بعده، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن هذا المال خَضِر حُلو! ونعم صاحب المسلم، هو لمن أعطَى منه اليتيمَ والمسكينَ وابنَ السبيل. وإن من يأخذه بغير حق كمن يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة".
وكانت الصرامة والقسوة ملحوظتين في تعاليم اليهود، كأن التقوى عقوبة مرصَدة لكل ذنب، وكأن مرضاة الله لا تَتِمُّ إلا بواجبات جافة ومظاهر محبوكة، فجاء عيسى ـ عليه السلام ـ يتحدث عن القلوب الرقيقة والبشرية الضعيفة الفقيرة إلى عفو الله.
وقالوا: إنه ترك امرأة اقتِيدَت متَّهمة بالإثم، وقال لليهود: مَن كان منكم بلا خطيئة فليتقدم ليرجمها!
وجاء الإسلام فرفض العبادة المقرونة بالصَّلَف والاستعلاء على الناس! ويسَّر التوبة لكل عاثر وأمر بستره والتجاوز عنه! وأقرَّ العقاب لمَن يتبجَّح بجُرمه ويؤذي المجتمع بالإصرار عليه!
أي أنه رفض الطاعة المُستكبِرة، ورحم المعصية النادمة، وطلب الإصلاح المتواضع الرقيق! يقول علي بن أبي طالب: الفقيه كل الفقيه مَن لم يقنِّط الناس من رحمة الله، ولم يؤمِّنهم مكره!