74 ـ ما الحكمة في قيام الليل؟ وكيف يكون؟
لابد من تمهيد لهذا الموضوع، وللموضوع الذي يجيء بعده، نتحدث فيه عن الأَوْجِ الذي رفع محمدٌ صحبَه إليه وثبتهم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ في رُبَاه. لقد اتَّفَق الدارسون لشخصية محمدٍ على أن قدراته الروحية خارقةً للعادة، وأنه يخطف البصائر بطيب نفسه وعظمة خُلُقه ووَهْج مشاعره، وأنه استطاع بالقرآن الكريم أن يشرح صدورًا ويوسع آفاقًا وينقل جيلًا من البشرية الضيقة إلى الربانية الرَّحْبة المشرقة!
إن الجيل الذي رَبَّاه محمد كان جيلًا مُحْسِنًا يعبد الله كأنه يراه، شجاعًا يَرْكُل الدنيا بقدمه ويمضي ثابت الخُطَا إلى ربه، كريمًا لا يَحرِص على مال، بل ما يعطيه اللهُ أحبُّ لديه مما يستبقيه لنفسه، مقيمًا للصلاة ينتظم في صفوفها برغبة وخشوع، ويحافظ على أوقاتها في الصحة والمرض والسلم والحرب.
هذا الجيل تَلَقَّى الحق وصانه وسَلَّمَه إلى مَن بعده في وفاء وفداء لم تعرف الدنيا لهما نظيرًا في تاريخها الطويل!
إن الملائكة لتنظر بإعجاب إلى هؤلاء الأصحاب! بل إنها لَتَحُفُّهُم وهم يجاهدون، تتنزل عليهم وهم يتهجدون! ما أحسبها وهي ترقُب الأرض من قديم رأت خيرًا منهم، حاشا أنبياءَ الله السابقين! من أجل ذلك لم أُحِسَّ باستغراب عندما قرأت في الصحاح هذا الخبر:
عن أُسيد بن حُضير ـ رضي الله عنه ـ قال: بينما هو يقرأ من الليل، وفرسه مربوطة عنده، إذ جَالَت الفرس، فسكت، فسكَنَت، فاستأنف القراءة فجالت، فسكت فسكَنَت الفرس، ثم قرأ فجالت، وكان ابنه يحيى قريبًا منها فانصرف فأَخَّرَه أبعَدَه عن قوائمها ثم رفع رأسه إلى السماء، فإذا مِثْلُ الظُّلَّة فيها أمثال المصابيح، فلَمَّا أصبح حَدَّث النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما رأى، فقال له:"أَوَ تَدْري ما ذاك؟"قال: لا. قال:"تلك الملائكة دَنَت لصوتك، ولو قرأتَ تابَعْتَ التلاوةَ لأصبَحَتْ ينظر إليها الناس ما تتوارى منهم".