فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 566

33 ـ كيف ولماذا وقع النسخ في القرآن؟

للنسخ معنيان:

أحدهما: سائغ لا رِيبةَ فيه، وهو تخصيص عام، أو تقييد مطلَق، أو إظهار حكم ما بطريق التدرج.

والثاني: محو حكم سابق بآخَرَ لاحق.

وهو عند التحقيق العلمي لا وجود له في القرآن الكريم.

ونسوق الأمثلة الشارحة لما ذكرنا:

المرأة إذا فقَدت زوجَها وجَبَت عليها عدة وفاة مقدارها أربعة أشهر وعشرة أيام، كما جاء في الآية الكريمة: (والذين يُتَوفَّونَ منكم ويَذَرُونَ أزواجًا يَترَبَّصنَ بأنفسِهنَّ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا فإذا بَلَغنَ أَجلَهنَّ فلا جُناحَ عليكم فيما فَعَلنَ في أنفسِهنَّ بالمعروف) (البقرة: 234)

لكن هذا الحكم العام عَرَض له استثناء ضيَّق دائرته، فإن المتوفَّى عنها زوجُها إذا كانت حاملًا فعدَّتُها وضعُ الحمل ولو بعد يوم من الوفاة! قال تعالى: (وأُولاتُ الأحمالِ أَجلُهنَّ أن يَضَعنَ حَملَهنَّ) (الطلاق: 4) .

كلتا الآيتين لها موضعها الذي تعمل فيه، وحكمها باقٍ إلى قيام الساعة.

وحرم الإسلام أكل الدم، وجاء ذلك في الآية: (حُرِّمَت عليكم الميتةُ والدمُ ولحمُ الخنزيرِ...) الخ (المائدة: 3) .

ثم جاءت آية أخرى تكشف أن الدم المحرَّم هو السائل من الذبيحة: (قُلْ لا أجدُ فيما أُوحِيَ إلى مُحرَّمًا على طاعمٍ يَطعَمُه إلا أن يكونَ مَيتةً أو دمًا مسفوحًا) الخ (الأنعام: 145) .

فعُلم من ذلك أن الشارع يُبيح أكل الكبد والطِّحال، وكان العرب يعُدُّونها من الدم، فتقيَّد الدم المحرَّم بصفته المذكورة!

أما التدرج في الكشف عن حقيقة حكمٍ ما فإنه يبدأ تلويحًا يفهمه الأذكياء، ثم تزداد الإبانة بما يكاد يوحي بالحكم، ثم يجيء الحكم حاسمًا بالمعنى المراد، وقد تم تحريم الربا والخمر بهذا الأسلوب المتأني، وليس في القرآن نص بإباحة الخمر أو الربا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت